لا للحرب.. لا لبيع دماء المصريين واليمنيين

18-10-2026

تابعنا باهتمام خطاب عبد الفتاح السيسي في مقر القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة بالعاصمة الإدارية الجديدة، والذي أعلن فيه أن «مصر طبقًا لتوجيهات جلالة الملك سلمان وتوجيهات ولي العهد محمد بن سلمان، هنفذ أي إجراء لحمايتكم والدفاع عنكم». كما طالب بعقد جلسة عاجلة للبرلمان لمنحه تفويضًا بالتدخل العسكري لصالح السعودية، في ظل حربها على اليمن.

عبد الفتاح السيسي ونظامه، اللذان لم يحركا ساكنًا على مدار ثلاث سنوات من حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، سوى باتجاه تشديد الحصار على القطاع، ومنع قوافل المساعدات والمتضامنين من الوصول إليه، واعتقال وملاحقة المواطنين المصريين المتضامنين مع أشقائهم الفلسطينيين، ينتفضان الآن للدفاع عن السعودية والدخول في حرب من أجلها لا ناقة للشعب المصري فيها ولا جمل.

وهو ما يعيد طرح أزمة غياب الديمقراطية والتمثيل الشعبي الحقيقي في صنع السياسات واتخاذ القرارات. ذلك أن السيسي، حين تحدث عن هذا «التوجيه» من ملك السعودية، لم يطرح الأمر باعتباره قضية ينبغي عرضها على نواب الشعب لمناقشتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها، بل تحدث باعتبار أن القرار قد اتُّخذ بالفعل، وأن المطلوب الآن هو استكمال الإجراءات الدستورية الشكلية، من خلال عقد جلسة طارئة للبرلمان لمنحه «تفويضًا» بتنفيذه.

فما الذي تغير حتى يتغير موقف النظام المصري، الذي رفض المشاركة البرية في التحالف الذي تقوده السعودية منذ عام 2015، واكتفى بالمشاركة بقطع بحرية وضربات جوية في بداية العملية التي أُطلق عليها اسم «عاصفة الحزم»، بهدف هزيمة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، بعد سيطرتهم على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، وهو الهدف الذي فشل التحالف في تحقيقه طوال هذه السنوات؟ وما الذي يدفع النظام المصري الآن إلى إعلان استعداده لتوسيع مشاركته العسكرية، بما قد يشمل إرسال قوات برية؟

ما تغير هو أن النظام يمر بأزمة اقتصادية شديدة، نتيجة للإنفاق غير الرشيد على مشروعات لا طائل منها ولا جدوى، سوى ما تتيحه من فساد ونهب منظم لأركان حكمه وضباطه. يأتي ذلك في وقت تساوم السعودية فيه النظام المصري على تجديد ودائعها لدى البنك المركزي، التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار، إلى جانب وعود بضخ استثمارات سعودية جديدة مقابل المشاركة المصرية في الحرب. وهذا يشير إلى ارتباط التدخل العسكري بحاجة النظام إلى استمرار الدعم المالي السعودي.

إن هذا التوجه يُعد استكمالًا لنهج طويل من المساومة على بيع مقدرات الدولة المصرية وأجزاء من أراضيها، وقيام الجيش بأدوار عسكرية مشبوهة لصالح قوى إقليمية، مقابل استمرار تلك القوى في ضخ التمويل اللازم لاستمرار الحكم العسكري.

وقد بدأ هذا النهج بتقديم الدعم والتمويل اللازمين للقضاء على الثورة المصرية منذ عام 2011، وتُوّج بالانقلاب العسكري عام 2013، الذي قضى على مسعى الشعب المصري للتحرر وعلى تجربته الديمقراطية. ثم تجلّى في التفريط في جزيرتي تيران وصنافير لصالح السعودية، وفي الدور الذي لعبه النظام في إحكام الحصار على قطاع غزة أثناء حرب الإبادة لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وفي إرسال مفرزة من الطائرات إلى الإمارات للدفاع عنها إلى جانب قوات إسرائيلية.

ووصل الأمر مؤخرًا إلى قصف مناطق حدودية مع السودان، وارتكاب مجزرة بحق عمال التعدين الأهلي السودانيين، بهدف تمكين شركات أبرم معها النظام عقودًا للتعدين من الاستحواذ على المنطقة.

إننا في تيار الثورة الاشتراكية نرفض بشكل قاطع إرسال الجيش المصري للمشاركة في الجرائم التي ترتكبها السعودية بحق الشعب اليمني. وهذا الرفض لا يعني انحيازنا إلى جانب جماعة أنصار الله (الحوثيين)، فنحن نرى أنها جماعة رجعية وطائفية وغير ديمقراطية فيما يتعلق بالشأن السياسي اليمني. لكننا، في الوقت نفسه، نؤيد إسنادها لأهلنا المحاصرين في قطاع غزة ودفاعها عنهم عبر استهداف الجيش الإسرائيلي، وفرضها حصارًا على سفن الاحتلال ومنع عبورها من مضيق باب المندب.

إن رفضنا إرسال الجيش للمشاركة في هذه الحرب يستند إلى رفض سفك المزيد من دماء أبناء الشعب اليمني، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها المجتمع اليمني بسبب الحرب التي تشنها السعودية عليه منذ عام 2015. كما يستند إلى رفضنا التضحية بأرواح جنود الخدمة العسكرية الإلزامية وأفراد القوات المسلحة وضباطها في حرب عبثية قررها ديكتاتور للتغطية على فشله السياسي والاقتصادي، في ظل الغياب الكامل للآليات والمؤسسات الديمقراطية.

إن الاتفاق بين نظام السيسي والسعودية على المشاركة في حرب اليمن يتقاطع مع تحالف السعودية مع قوى الإسلام السياسي في اليمن، من الإخوان المسلمين والتيارات السلفية الجهادية والعلمية، التي تنضوي ضمن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وهو ما يفسر، من وجهة نظرنا، الدعم الذي تبديه تيارات سلفية في مصر وأطراف محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين المصرية لمشاركة النظام في الحرب إلى جانب السعودية، انطلاقًا من موقف طائفي تجاه الصراع في اليمن.

وهو ما يكشف، من ناحية، عن رجعية وطائفية التيار السلفي والإخوان المسلمين، ومن ناحية أخرى، عن طبيعة المشروع السياسي للنظام العسكري المصري، الذي لا تحكمه مبادئ أو قناعات، ولا يضع مصالح المواطنين أو أرواحهم في اعتباره، وإنما تحكمه حسابات السلطة والنفوذ والتمويل.

وحين تتلاقى الشعارات الطائفية والنعرات الوطنية على استرضاء السعودية والارتهان لملياراتها، تتعرّى حقيقة هذه المشاريع جميعًا، وتظهر محدوديتها الطبقية والسياسية. فما يجمع هذه الأطراف، رغم صراعاتها وتناقضاتها، هو استعدادها للمساومة على حقوق الجماهير وحرياتها كلما اقتضت مصالحها ذلك، واستخدام الدين والطائفية والوطنية أدواتٍ للحشد والسيطرة، بدلًا من مواجهة الاستغلال والفقر والاستبداد. وفي النهاية، يدفع الفقراء في اليمن ثمن هذه الصفقات، بعيدًا عن أي مشروع حقيقي للتحرر الاجتماعي والسياسي.

إنه لا أفق لحل الأزمة اليمنية سوى بكف أيدي جميع الأطراف الخارجية عن اليمن، وفي مقدمتها السعودية، وليس بالسير في الاتجاه المعاكس، من خلال تأجيج الحرب والدفع بالجيش المصري للمشاركة فيها مقابل الأموال السعودية.

إننا في تيار الثورة الاشتراكية نوجه دعوة مفتوحة إلى جميع القوى السياسية والحزبية والتيارات الفكرية، والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية، والشخصيات العامة والمؤثرة، لإعلان موقف واضح وصريح برفض تفويض السيسي في شن الحرب، والزج بالشعب المصري في صراع لا يخدم مصالحه.

إننا نرفض منح أي تفويض للسلطة لاتخاذ قرارات الحرب، ونؤكد أن دماء المصريين واليمنيين وحياتهم وحقوقهم ومستقبلهم ليست أوراقًا للمساومة أو أدوات في تفاهمات الأنظمة وصفقات مصالحها.

تيار الثورة الاشتراكية
18 أكتوبر 2026

Previous Post