كداب يا خيشة

14-10-2026

إن تصريحات عبد الفتاح السيسي حول عدم المساس بالدستور وعدم الترشح مجددًا لا يمكن قراءتها بمعزل عن سجل السلطة وممارساتها. فنحن لا نتعامل مع هذه التصريحات بوصفها ضمانات سياسية، بل باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة من الوعود التي نقضتها السلطة بممارساتها. فقد سبق للسيسي أن نفى، عقب يوليو 2013، نيته الترشح للرئاسة، قبل أن يعلن ترشحه لاحقًا. كما سبق أن أعلن رفضه تعديل الدستور، قبل أن تُجرى تعديلات عام 2019 فتحت الطريق أمام تمديد بقائه في الحكم. وهذه ليست مجرد وقائع من الماضي يمكن نسيانها، بل هي أساس أزمة الثقة التي لا يمكن تجاوزها بتصريح جديد أو وعد آخر.

إننا لا نحاسب السيسي على كلماته وحدها، بل على الفارق المستمر بين ما يُقال من منصة الحكم وما يجري في الشارع ومؤسسات الدولة وسجونها. فالثقة لا تُستعاد بالوعود، ولا تُبنى بالأقسام، وإنما بتغيير السياسات والممارسات التي أفرغت الحقوق من مضمونها، وجعلت المواطن غائبًا عن القرار، ومحرومًا من أدوات المحاسبة والنقد والتغيير.

لا نصدق الوعود المتعلقة بالدستور أو تداول السلطة، ما دام القمع والاعتقال مستمرين، والمجال العام محاصرًا، والصحافة تتعرض للتضييق والملاحقة، والبرلمان عاجزًا عن ممارسة دوره في الرقابة والمحاسبة، والقضاء يفتقر إلى ضمانات استقلاله، والمواطنون محرومين من حقهم في التنظيم والاعتراض والمشاركة السياسية.

إن الدستور لا يُحمى بأن يقول الحاكم إنه لن يُمسّ، بل بأن تُحمى الحريات التي يجسدها، وبأن يصبح القانون حاكمًا على الجميع، لا أداة في يد السلطة لضبط المجتمع ومعاقبة المعارضة. فالمساس بالدستور لا يكون دائمًا تعديلًا مكتوبًا في نصوصه، بل يكون أيضًا في كل ممارسة تُفرغه من مضمونه: اعتقال أصحاب الرأي، وإسكات الصحافة، وتقييد حرية التنظيم، وإقصاء المواطنين من الحياة السياسية.

ولهذا فإن الجدل حول تعديل الدستور أو عدم تعديله يظل، في غياب الحريات، مسألة شكلية. فالدستور الذي لا يحمي الإنسان من القمع، ولا يضمن حرية التعبير والتنظيم والصحافة، ولا يتيح تداولًا حقيقيًا للسلطة، لا يمكن أن يكون ضمانة للجمهورية أو للديمقراطية أو لانتقال السلطة. ومهما تكررت تصريحات السيسي عن احترام الدستور، فإنها لن تكون سوى أكاذيب واستهزاء بعقول المواطنين ما دامت ممارسات سلطته تناقضها.

إن معيار أي تغيير حقيقي ليس تصريحات الحاكم ولا وعوده، بل إنهاء منظومة القمع، وإطلاق سراح سجناء الرأي، وفتح المجال العام، وضمان حرية التعبير والصحافة والتنظيم، واستقلال القضاء، وتمكين الشعب من المشاركة الفعلية في إدارة شؤونه وتقرير مصيره.

لا نطلب من السلطة أن تعدنا بمستقبل أفضل، بل نطالبها بأن تتوقف عن انتزاع قدرة الناس على صناعة مستقبلهم، وأن تكف عن محاصرة حياتهم وأرزاقهم وحرياتهم. فلا استقرار بلا عدالة، ولا دستور بلا حريات، ولا تداول للسلطة بلا شعب حر قادر على الاختيار والنقد والمحاسبة. إن الطريق إلى التغيير يمر عبر استعادة الشعب لحقوقه وحرياته وقدرته على التنظيم والنضال، لا عبر الوعود التي تتكرر ويتكرر التنصل منها.

تيار الثورة الاشتراكية
14 أكتوبر 2026