04-10-2026
الإضراب الحالي داخل السجون المصرية ليس احتجاجًا محدودًا على ظروف الاحتجاز، ولا مجرد رد فعل على سوء المعاملة، بل انتفاضة جديدة من أجل الحرية، يرفع فيها المعتقلون أجسادهم في وجه آلة قمع كاملة، ويحوّلون الزنازين من مساحة للعزل والإذلال إلى ساحة مقاومة. وهي امتداد لمقاومة المعتقلين المستمرة منذ سنوات ضد السجن والقمع والتغريب، وضد سياسة كسر الإنسان وتصفيته سياسيًا واجتماعيًا. فالمعتقلون لجأوا إلى الإضراب بعد استنفاد كل سبل المطالبة والتفاوض، في مواجهة سلطة لا تستجيب إلا للضغط.
تتخذ هذه الانتفاضة أشكالًا متعددة: بدءًا من الإضراب عن الطعام، ورفض التعامل مع إدارة السجن، والتمسك الجماعي بالمطالب، إلى محاولات كسر العزلة وربط أصوات المعتقلين داخل السجون بالخارج. وقد واجهتها إدارات السجون وقوات الأمن بالعنف والاعتداء الجسدي والتهديد والتغريب والعقوبات التأديبية والعقاب الجماعي والحرمان من الزيارة والعلاج والتواصل، وبكل ما تبتكره أجهزة الدولة من تنكيل لكسر إرادة المضربين، وفق ما وثّقته منظمات حقوقية وشهادات لأهالي معتقلين. ومع ذلك تستمر الانتفاضة، وتثبت أن المعتقلين ليسوا ضحايا صامتين، بل فاعلون يقاومون من داخل أكثر الأماكن قسوةً وقمعًا.
قضية المعتقلين السياسيين من أكثر القضايا عدالة في بلدنا. فحرية الإنسان حق أصيل لا منحة من السلطة، ولا يجوز سلبها أو تعليقها بقرار أمني. والاعتقال السياسي ليس إجراءً، بل جريمة ضد الإنسان والمجتمع. أما الحبس الاحتياطي المطوّل فلم يعد إجراءً استثنائيًا لحماية سير العدالة، بل صار أداة للعقاب السياسي والتصفية وإسكات المعارضين، ولإعادة تدوير الاتهامات ضد من خرجوا من السجون. واحتجاز الأشخاص دون محاكمة عادلة أو مبرر قانوني حقيقي ليس خللًا في منظومة العدالة، بل هو جوهر منظومة قضائية تعمل بتوجيه الأجهزة الأمنية.
إننا في تيار الثورة الاشتراكية نعلن تضامننا الكامل مع المعتقلين، وندعم انتفاضتهم دون أدنى تحفظ. لكن تضامننا الحقيقي لا يعني تجميل الواقع أو إخفاء حدود هذا النضال. فتأثير الإضراب سيظل محدودًا ما دام محصورًا خلف أسوار السجون ولم يتحول إلى قضية عامة قادرة على التأثير في ميزان القوى وفي استقرار النظام نفسه. وهذه المحدودية ليست نتيجة نقص في شجاعة المعتقلين أو إرادتهم، بل نتيجة اختلال ميزان القوى حين تبقى المقاومة معزولة، ولا تجد الانتفاضة داخل الزنازين امتدادًا تنظيميًا وسياسيًا لها في الخارج.
فقد أثبتت التجربة الطويلة أن المناشدات لا تحرر المعتقلين، وأن الإضراب عن الطعام، مهما بلغت بطولته، لا يحرر المعتقلين ما لم يسنده ضغط سياسي واجتماعي في الخارج. فالنظام المصري لم يبنِ قمعه استجابةً لأزمة عابرة، بل جعل من القمع والاعتقال والتوسع في السجون والحلول الأمنية ركيزة لبقائه. فحوّل القمع إلى أداة رئيسية لإدارة الصراع السياسي والاجتماعي، وأخضع مؤسسات الدولة لمنطق السيطرة، وأضعف سيادة القانون حتى صارت المحكمة والنيابة والسجن حلقات في سلسلة واحدة، يمسك النظام بأطرافها، تبدأ بالتهديد وتنتهي بالعقاب.
لذلك، وبينما نتضامن مع انتفاضة السجون، ونحمّل الأجهزة الأمنية والدولة المسؤولية الكاملة عن سلامة المعتقلين وحمايتهم من التعذيب والاعتداء والتنكيل، نقول إن النضال من أجل الحرية يحتاج إلى أكثر من التعاطف والإدانة. إنه يحتاج إلى بناء قوة سياسية وتنظيمية قادرة على تجاوز أسوار السجون؛ قوة تربط مطالب المعتقلين بمطالب العمال والفقراء والشباب والنساء وكل المضطهدين، وتحوّل التضامن الفردي إلى عمل جماعي، والغضب المتناثر إلى تنظيم قادر على مواجهة النظام، لا الاكتفاء ببيانات الإدانة.
إن بناء تنظيم ثوري قادر على ربط مقاومة السجون بالحركة الاجتماعية الأوسع هو أحد شروط تحويل التضامن مع المعتقلين إلى قوة حقيقية؛ تنظيم يكون أداةً وسلاحًا للمناضلين والمضطهدين وكل الراغبين في التحرر، ويحوّل كل إضراب إلى خطوة في معركة أوسع ضد الاستبداد. المعتقلون اليوم يفتحون معركة الحرية من داخل الزنازين، ومهمتنا أن نجعل هذه المعركة معركة مستدامة للجميع، وأن نستعد للانتفاضات القادمة لا بالعبارات وحدها، بل بالتنظيم والصمود والعمل المشترك.
الحرية حق لا يُمنح… والمعتقلون ليسوا وحدهم في هذه المعركة.
تضامنًا مع انتفاضة السجون… الحرية فورًا لجميع المعتقلين السياسيين.
تيار الثورة الاشتراكية
4 أكتوبر 2026

