السيسي لن يغفر خطيئة المصريين حين قالوا: لا

30-09-2026

بعد أكثر من 16 عامًا على يناير، وبعد سنوات سيطرت فيها السلطة على كل مؤسسات الدولة، وأجهزة الأمن، والبرلمان، وأدوات صنع القرار الاقتصادي والسياسي، ما زال عبد الفتاح السيسي يعود إلى يناير كلما واجه أزمة أو فشلًا، وكأنها شماعة جاهزة لتبرير نتائج سياساته. 

القمع السياسي وتضييق المجال العام لم يكونا قدَرًا مفروضًا، بل خيارًا اتخذته السلطة، خُنقت مساحات التعبير، وأُغلقت منابر الصحافة المستقلة، وحُوِّل العمل السياسي إلى ميدان محفوف بالمخاطر، والتعددية تُختزَل إلى واجهة شكلية، بينما يتوسّع الاعتماد على الحلول الأمنية بدلًا من الحلول السياسية والحوار الوطني الجاد. 

وفي الوقت نفسه، اتّسع الدور الاقتصادي والسياسي للمؤسسة العسكرية ليشمل قطاعات حيوية، من البنية التحتية إلى الإنتاج والخدمات، في نموذج يخلط بين السلطة والموارد العامة ويضعف آليات الرقابة والمحاسبة. الحياة النيابية نفسها خضعت لسيطرة تجعل من البرلمان أداة لتبرير القرارات، لا منصة لمساءلة السلطة أو محاسبتها. 

أما الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأعباء على المواطنين، فليست شبحًا عائدًا من 2011، بل نتيجة سياسات وقرارات اتُّخذت في سنوات الحكم اللاحقة: من تعويم الجنيه، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراكم الديون، إلى إجراءات التقشّف التي أثقلت كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة. تقييم هذه الأزمات يجب أن يرتبط بالسياسات التي اختارتها السلطة، لا بإلقائها تلقائيًا على يناير. 

لم تكن يناير مجرّد لحظة اضطراب عابرة، بل كانت صرخة جماعية ضد الاستبداد والفساد وانسداد الأفق السياسي، قال فيها ملايين المصريين كلمتهم في وجه نظام استنزف البلاد والعباد. لكن السلطة التي جاءت بعد ذلك تعاملت مع هذه اللحظة لا كرسالة مطالب سياسية واجتماعية مشروعة، بل كـ«خطيئة» يجب أن يدفع المصريون ثمنها سنوات طويلة من القمع والتهميش. 

تحميل يناير مسؤولية كل شيء ليس إجابة سياسية، بل هروب من المحاسبة. السؤال الحقيقي هو: من يحكم منذ 14 عامًا؟ ومن اتخذ القرارات الاقتصادية والأمنية والسياسية؟ ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟ 

نحن نتمسك بفكرة أن الحرية والعدالة الاجتماعية والمحاسبة السياسية ليست شعارات، بل شروطًا لأي مستقبل يليق بمصر لا يمكن بناء دولة على كبت الحريات، وإخضاع المجتمع للأمن، وتغييب التعددية، وتبرير الفشل بإلقاء اللوم على ثورة مضى عليها أكثر من عقد. 

إن تحميل يناير وزر كل إخفاق هو اعتراف ضمني بأن السلطة لا تملك رؤية بديلة، ولا مشروعية سياسية كافية لتحمل نتائج خياراتها. السؤال الأهم الآن: إلى متى سيظل المصريون يقبلون فرضية أن تظل ثورتهم خطيئة يُعاقَبون عليها بإسكات الأصوات وتبرير الفشل بإعادة إنتاج القمع؟ وكيف لهم الخلاص من هذا النظام المجرم في ظل سطوة الدولة البوليسية وأجهزتها الأمنية؟

إننا في تيار الثورة الاشتراكية نرى أن تصاعد إخفاقات السلطة اقتصاديًا، وإصرارها على مصادرة المساحات السياسية، وتصاعد القمع، لن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج شروط اندلاع ثورة جديدة. وهي الثورة التي نسعى إلى الاستعداد لها بتنظيم أنفسنا وتجنيد العناصر الطليعية من الطلاب والعمال والمثقفين، بما يمكننا من بناء مشروع وبرنامج سياسي يتيحان للثورة القادمة تحقيق أهدافها، بدلًا من أن تصبح فصلًا جديدًا في إعادة إنتاج الاستبداد والديكتاتورية، ثم تُعلَّق عليها مرة أخرى مسؤولية الإخفاق والفشل.

تيار الثورة الاشتراكية
30 سبتمبر 2026