المؤتمر الوطني الأول.. نسمع ضجيجًا ولا نرى طحينًا

24-09-2026

في 16 سبتمبر الجاري، عقدت قوى سياسية معارضة في الخارج مؤتمرًا بمدينة لاهاي الهولندية، أطلقت عليه «المؤتمر الوطني الأول». وإذ نؤكد على الحق الأصيل لجميع الأطراف في حرية التعبير والمشاركة في الشأن السياسي المصري، فإننا، وتمسكًا بهذا الحق نفسه، نتناول في بياننا هذا المؤتمر والخطاب الصادر عنه بالتعليق والنقد. 

جاء تنظيم المؤتمر بمشاركة مجموعات وشراذم من تيار الإسلام السياسي، منشقة عن تيارات مختلفة داخل جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب بعض الشخصيات المستقلة، في محاولة مكشوفة لإعادة تسويق البضاعة السياسية نفسها عبر مسميات وكيانات تنظيمية جديدة، بعضها شديد الرجعية ويقف حتى على يمين تيارات الإخوان التي انشقت عنها. 

كان أولى بهذه المجموعات، عوضًا عن انشغالها بتغيير أسمائها وإعادة تقديم نفسها تحت مسميات تنظيمية جديدة، أن تقدم بوضوح رؤيتها الفكرية والسياسية، وأن توضح ما إذا كانت قد أجرت أي تطوير أو مراجعة نقدية حقيقية للمواقف والسياسات الرجعية والطائفية التي ميّزت جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي الخارجة من عباءتها.

إلا أن المؤتمر لم يقدم ما يشير إلى حدوث مثل هذا التطوير، أو إلى تجاوز الأفكار الرجعية والأصولية التقليدية لهذه المجموعات باتجاه خطاب أكثر انفتاحًا وقبولًا للآخر. على العكس، غاب عن المؤتمر أي مضمون فكري جاد يمكن من خلاله تلمّس ملامح تغيير حقيقي في الرؤية السياسية والفكرية لهذه المجموعات، بعيدًا عن لعبة تغيير المسميات وإعادة تدوير الأسماء.  

ولم يكن المضمون السياسي أو مخرجات المؤتمر أفضل حالًا من مضمونه الفكري؛ إذ لم يقدم المؤتمر رؤية سياسية حقيقية، أو برامج واضحة تشرح ما الذي ستفعله هذه القوى على نحو مختلف عما هو قائم اليوم. بل جرى الاكتفاء بخطاب عام وفضفاض، أقرب إلى لغة العلاقات العامة والتلاعب بالكلمات التي يستخدمها النظام في مؤتمراته، عوضًا عن طرح سياسات وخطط بديلة وجادة للتغيير. وبدا الأمر وكأن الخلاف ينحصر في تبديل الأشخاص لا السياسات، من دون توضيح ماهية البدائل المطروحة، أو شكل الدولة والاقتصاد ونظام الحكم الذي تسعى هذه القوى إلى بنائه. وهو ما يعيد إلى الأذهان الرؤية السياسية الضيقة التي تبنتها جماعة الإخوان المسلمين بعد اندلاع ثورة يناير 2011، والتي أسهمت، إلى جانب عوامل أخرى، في الوصول إلى النتيجة التي انتهينا إليها اليوم. 

إن هذا الغياب للمضمون لا يعكس فقط فقرًا سياسيًا وفكريًا، بل ينطوي أيضًا على نظرة استعلائية وتحقيرية للمجتمع، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يتعامل بها النظام نفسه مع المجتمع اليوم؛ إذ يُفترض الاكتفاء بالخطابات والشعارات والحديث عن خطط لم ينشر أي منها حتى الآن، وكأن ليس للمجتمع الحق في معرفة تلك البرامج والسياسات ومناقشتها، إذا كان لتلك الخطط والبرامج وجود من الأساس.

إننا في تيار الثورة الاشتراكية نؤكد أن تجاوز الحكم الاستبدادي الديكتاتوري يقتضي رفض كل صوره وأشكاله، سواء في صورته العسكرية الحاكمة، أو في صورته الدينية الطائفية المنافسة التي تسعى هي الأخرى إلى فرض وصايتها على المجتمع. وإننا نرى أن أفق تجاوز هذه الثنائية يكمن في مشروع دولة ديمقراطية علمانية حديثة، تضمن حريات وحقوقًا متساوية للجميع، كنقطة انطلاق تتيح لكافة المواطنين التعبير عن مصالحهم وتوجهاتهم، بما يكفل بناء نظام حكم ديمقراطي قابل للاستمرار والتطور من خلال الممارسة الديمقراطية ذاتها. وانطلاقًا من هذه الأرضية، فإننا نمد أيدينا إلى كافة القوى الديمقراطية المستعدة للعمل المشترك، من أجل تطوير آليات للعمل والتنسيق، تسمح بالدفع نحو التغيير السياسي وتجاوز الاستبداد والديكتاتورية بكل أشكالهما.

تيار الثورة الاشتراكية
24 سبتمبر 2026