02-11-2026
بقلم: محمود صبري
لم يكن تفكيري في الانضمام إلى تيار الثورة الاشتراكية نتيجة بحث عن تنظيم تتوافق شعاراته مع قناعاتي، وإنما حصيلة تجربة سياسية بدأت قبل ثورة يناير، وامتدت عبر حركات احتجاجية ومبادرات حقوقية ومحاولة لتأسيس حزب سياسي من رحم الثورة.
وخلال هذه التجربة، لم تكن المشكلة التي واجهتني في غياب القضايا العادلة أو الأشخاص المستعدين للدفاع عنها، بل في طبيعة الكيانات التي حملت هذه القضايا، وقدرتها على الاستمرار، ومدى استقلالها والتزامها بالمبادئ التي تأسست عليها.
فقد عايشت حركات تفككت عندما تغيرت الظروف السياسية، وأخرى انحرفت نحو مصالح التمويل، وشاركت في تأسيس حزب أعاد إنتاج المحسوبية والشخصنة، كما شهدت تحول نشاط حقوقي إلى مجال للتربح لدى بعض القائمين عليه.
ولم تدفعني هذه التجارب إلى رفض العمل الجماعي، بل إلى إعادة النظر في طبيعة التنظيم الذي يمكن أن يستحق الانتماء إليه، وفي العلاقة بين أفكاره وبنائه الداخلي وممارسته السياسية.
كفاية و6 أبريل: حدود العمل الحركي
بدأ التحامي بالعمل العام قبل الثورة وسط نشطاء حركتي «كفاية» و«شباب 6 أبريل»، اللتين لعبتا دورًا في كسر الجمود السياسي خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك، لكنهما كشفتا لاحقًا عن أزمتين مختلفتين في العمل التنظيمي.
جمعت حركة كفاية اتجاهات أيديولوجية متعددة حول رفض استمرار حكم مبارك ومشروع التوريث. وقد منحها هذا التنوع قدرة على تجاوز الانقسامات التقليدية بين القوى السياسية، لكنه لم يكن قائمًا على مشروع مشترك يتجاوز معارضة النظام.
ومع اندلاع ثورة يناير، بدأت الحركة تنكفئ على نفسها، وتفرق أعضاؤها وفقًا لانتماءاتهم الأيديولوجية ومواقفهم من الصراع السياسي الذي أعقب الثورة.
كان ذلك كاشفًا لطبيعة التناقض الذي حملته الحركة منذ تأسيسها؛ فقد نجحت في جمع المختلفين حول ما يرفضونه، لكنها لم تمتلك تصورًا سياسيًا وتنظيميًا يجمعهم حول ما يريدون بناءه.
أما حركة 6 أبريل، فقد اتخذت أزمتها مسارًا آخر، مرتبط بسعي أبرز قياداتها وراء مشاريع التمويل الأجنبي وتأثير أجندات الممولين في أولويات العمل، بجانب افتقار هيكلها للديمقراطية والقدرة علي استيعاب أعضاء جدد وتمسك قيادات الحركة بتحويلها إلى جماعة ضغط سياسي على النمط الغربي، دون تصور سياسي، ما جعلها احيانا تكافح أي تصورات سياسية داخلية ما ظهر جليا بانشقاق مجموعات عنها، حيث أرادوا لها أن تصبح حركة عابرة ايديولوجيا دون تصور واضح يسمح بدفع انتصار الثورة علي الطريق الصحيح او تحقيق الديمقراطية.
ومع تضييق المجال السياسي، اتجهت مجموعة من قيادات الحركة إلى تأسيس مؤسسات حقوقية باعتبارها مجالًا أكثر أمانًا نسبيًا من النشاط السياسي المباشر، وأكثر قدرة على توفير الموارد.
لم تكن المشكلة بالنسبة لي في الانتقال إلى العمل الحقوقي، وإنما في تحول التمويل من وسيلة لدعم النشاط إلى عامل مؤثر في توجهاته، وفي استخدام الخبرة السياسية والتنظيمية التي اكتسبها بعض النشطاء لبناء مؤسسات جديدة منفصلة عن المشروع السياسي الذي انطلقوا منه.
وقد جعلتني هذه التجربة أكثر اهتمامًا بمسألة الاستقلال السياسي، وبحدود العلاقة بين التمويل والمواقف المبدئية، وبكيفية خضوع المؤسسات والقائمين عليها للمساءلة.
فالتنظيم لا يفقد استقلاله فقط عندما يخضع لسلطة سياسية، وإنما قد يفقده أيضًا عندما تصبح استمراريته مرتبطة بمصالح مالية أو بعلاقات تفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته.
حزب الدستور: كيف أُجهض مشروع حزب من رحم الثورة؟
بعد الثورة، كنت من مؤسسي حزب الدستور، إيمانًا مني بإمكانية بناء حزب مدني يستوعب التنوع الفكري والاجتماعي الذي أظهرته يناير، ويحول هذا التنوع إلى مشروع سياسي مؤسسي.
لم يكن رهاني على محمد البرادعي كشخص، بل على إمكانية تأسيس حزب يقوم على الكفاءة والديمقراطية الداخلية والبرنامج السياسي، بدلًا من الزعامة الفردية والعلاقات الشخصية.
لكن ما وجدته داخل الحزب كان مختلفًا.
فقد رأيت البرادعي يسلّم الحزب إلى دوائر الثقة الشخصية بدلًا من الكفاءات، وشهدت تشكيل مكاتب المحافظات على أساس المعارف والشِّللية، خاصة من أعضاء حملة دعم البرادعي التي سيطرت علي مفاصل الحزب بالتعيين، دون معايير تنظيمية واضحة تضمن تمثيل الأعضاء واختيار القادرين على تحمل المسؤولية.
وكانت النتيجة أن الحزب انشغل بصراعاته الداخلية على حساب دوره السياسي، واستُنزفت طاقات أعضائه في معالجة الأزمات التي أنتجتها طريقة إدارته.
ومع تراكم هذه المشكلات، تراجع الأداء السياسي للحزب، وانتهت تجربتنا بتقديم استقالات جماعية.
لم تكن هذه مجرد تجربة حزبية لم تنجح، بل كانت مواجهة مباشرة مع التناقض بين الخطاب الديمقراطي والممارسة التنظيمية.
فالحزب الذي يرفع شعارات الديمقراطية، بينما تُدار مؤسساته بمنطق الثقات والولاءات، يعيد إنتاج العلاقات التي يفترض أنه نشأ لتغييرها.
وقد جعلتني هذه التجربة أكثر اقتناعًا بأن الديمقراطية الداخلية ليست مسألة إجرائية أو ترفًا تنظيميًا، وإنما شرط لتكوين حزب يستطيع التعبير عن أعضائه، وتطوير كوادره، ومحاسبة قياداته، والحفاظ على استقلال قراره.
وطن بلا تعذيب: حين تتحول القضية العامة إلى مصلحة خاصة
شاركت أيضًا في حملة «وطن بلا تعذيب» انطلاقًا من اقتناعي بأهمية مواجهة التعذيب والانتهاكات الأمنية، باعتبارها قضية لا يمكن فصلها عن النضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
لكن تجربتي مع الحملة انتهت بعدما دخل التمويل إليها، وبدأت أرى أن بعض القائمين عليها يحوّلون النشاط الحقوقي إلى مجرد مصدر للدخل دون وجود شفافية يعلم من خلالها باقي أعضاء الحملة عن مصادر التمويل والمستفيدين منها.
لم تكن المشكلة في التمويل من حيث المبدأ، فالتمويل ضرورة لإتمام أي عمل عام، وإنما في غياب الضمانات التي تمنع توظيف القضايا العامة لتحقيق مصالح خاصة، أو الانزواء خلف أجندات لا تخدم القضية، بل تستغلها لتحقيق مصالح الممول.
وقد أكدت لي هذه التجربة أن عدالة القضية لا تمنح القائمين عليها حصانة أخلاقية، وأن الالتزام بالحقوق والحريات ينبغي أن يظهر أولًا في طريقة إدارة المؤسسات التي تتبنى الدفاع عنها.
من نقد التجارب إلى نقد البنية الاجتماعية والسياسية
كشفت لي هذه التجارب أن أزمة العمل السياسي المصري لا يمكن اختزالها في القمع الذي تمارسه السلطة، على أهميته وخطورته.
فهناك أيضًا أزمات داخل القوى المعارضة نفسها، تتعلق بطبيعة بنائها التنظيمي، ومدى التزامها بتطبيق المعايير الديمقراطية، وثقافتها السياسية، وعلاقاتها بمصادر التمويل، وقدرتها على إدارة الاختلاف، ومدى ارتباطها بالقوى الاجتماعية التي تدّعي التعبير عنها.
لكن مراجعة هذه التجارب دفعتني إلى سؤال أعمق: هل يكفي بناء تنظيم أكثر ديمقراطية واستقلالًا، إذا ظل مشروعه السياسي عاجزًا عن فهم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيد إنتاج الاستبداد؟
لقد أظهرت ثورة يناير قدرة المجتمع على كسر الخوف ومواجهة السلطة، لكنها كشفت أيضًا حدود القوى التي تصدرت المشهد السياسي، وعجزها عن تحويل التعبئة الجماهيرية إلى مشروع قادر على تغيير بنية الدولة وعلاقات السلطة والثروة.
ومن هنا أصبح اهتمامي بالفكر الاشتراكي مرتبطًا بمحاولة فهم الاستبداد باعتباره جزءًا من بنية اقتصادية واجتماعية، وليس مجرد انحراف في ممارسة السلطة.
فالديمقراطية لا تنفصل عن شروط الحياة المادية، ولا يمكن فهم استمرار النظام السياسي دون النظر إلى المصالح الطبقية التي تستفيد منه، والمؤسسات التي تحمي هذه المصالح، والعلاقات التي تسمح بإعادة إنتاجها.
كما أن تغيير رأس السلطة لا يعني بالضرورة تغيير النظام الاجتماعي الذي أتاح لها السيطرة.
وقد وجدت في التحليل الاشتراكي أدوات لفهم هذه العلاقات، وربط الصراع من أجل الحريات السياسية بالصراع حول العمل والأجور والملكية والخدمات العامة وتوزيع الثروة.
لكن أهمية الاشتراكية بالنسبة لي لا تكمن في امتلاكها إجابات جاهزة، وإنما في قدرتها على تقديم منهج نقدي لفهم المجتمع وتناقضاته، واختبار الأفكار في الواقع بدلًا من الاكتفاء بترديدها.
الاشتراكيون الثوريون: الابتعاد عن مركز المشروع
لم يكن اهتمامي بتيار الثورة الاشتراكية منفصلًا عن قراءتي لمسار حركة الاشتراكيين الثوريين، التي أرى أن التيار يمثل قلبها الثوري الذي انفصل عنها، بينما ابتعدت الحركة الأم تدريجيًا عن مركزها الأيديولوجي.
فقد كشفت تجربة ما بعد يناير عن إشكالية عميقة في مواقف الحركة، تمثلت في الخلط بين التحالفات التكتيكية والتنازلات السياسية التي تمس جوهر المشروع الثوري.
وتكشف هذه المواقف عن مسار الحركة بعد الثورة، وتحالفاتها مع قوى ليبرالية وبرجوازية لم تكن تستهدف تغيير العلاقات الرأسمالية من جذورها، بما أفضى إلى إخضاع استقلال الحركة العمالية لمشروعات سياسية إصلاحية.
وامتد هذا المسار إلى دعم الإخوان المسلمين في إنتخابات محمد مرسي، باعتبار ذلك خطوة تكتيكية لمواجهة المجلس العسكري، ثم إلى دعم حملة «تمرّد» المطالبة بإسقاط مرسي، وصولًا إلى موقفها بعد 30 يونيو، حين تصادمت مع معسكر الإخوان في ظل غياب مسار ثالث مستقل عن الطرفين المتنافسين، يوسّع قاعدة النضال من أجل بناء الثورة الاشتراكية.
لم تعد هذه التنازلات مجرد اختيارات فرضتها ظروف الصراع، بل تحولت إلى مسار إصلاحي من كافة المؤسسات ما أبعد الحركة عن موقعها الثوري، بالإضافة إلى غياب برنامج سياسي ثوري.
وأرى أن هذا التحول يظهر في مهادنتها لمؤسسات ممولة ومتورطة في علاقات تطبيعية مع الكيان الصهيوني، ومشاركتها في إصدار بيانات مشتركة معها دون اتخاذ موقف واضح من تلك العلاقات، ويظهر ذلك جلياً في تعاونها الدائم مع مؤسسات مثل المفوضية المصرية للحقوق والحريات.
ولا أتعامل مع هذه المسألة باعتبارها خلافًا حول بيان أو تحالف عابر، بل باعتبارها تعبيرًا عن خلل في تحديد حدود العمل المشترك، وعن استعداد لتجاوز تناقضات سياسية أساسية حفاظًا على العلاقات والتحالفات القائمة.
كما أنني لا أفصل هذا المسار عن الشوفينية الثورية التي ظهرت لدى الحركة بعد يناير، حين تحولت بعض مواقفها إلى معايير للحكم على الآخرين ومدى استحقاقهم لصفة الثورية، بدلًا من إخضاع هذه المواقف نفسها للنقد والمراجعة.
وهنا يكمن التناقض: التشدد في ادعاء تمثيل الثورة، مقابل التساهل في ممارسات وتحالفات تبعد التنظيم عن مبادئه.
ولا أعترض على مراجعة التنظيمات لمواقفها أو تطوير استراتيجياتها، فهذه ضرورة يفرضها تغير الواقع. لكن المراجعة شيء، والتخلي التدريجي عن جوهر المشروع دون إعلان واضح أو مساءلة سياسية شيء آخر.
فحين يصبح الحفاظ على الحضور السياسي والتحالفات غاية في ذاته، تتراجع المبادئ إلى موقع ثانوي، ويتحول التنظيم من أداة للتغيير إلى جزء من التوازنات التي كان يفترض أن يعمل على تجاوزها.
لماذا تيار الثورة الاشتراكية؟
من خلال متابعتي لتيار الثورة الاشتراكية وقراءتي لمواقفه، وجدت فيه اتساقًا بين المبادئ المعلنة والممارسة السياسية، ووضوحًا في الرؤية لا يقوم على المواربة أو محاولة إرضاء أطراف متناقضة.
هذا ما جعلني أراه مشروعًا يستحق اهتمامًا يتجاوز المواقف التي يصدرها.
فالتنظيمات التي عرفتها كانت، بدرجات مختلفة، مرتبطة بالأحداث السياسية؛ تتحرك مع تصاعد الاحتجاجات، وتبحث عن دور في لحظات التعبئة، ثم تتراجع قدرتها على الفعل عندما تتغير الظروف.
أما تيار الثورة الاشتراكية، فأرى في توجهه محاولة لتجاوز هذا النمط، من خلال بناء مشروع لا يستمد مبررات وجوده من حدث سياسي، ولا يجعل من انتظار الثورة بديلًا عن العمل على شروطها.
فالثورة ليست موعدًا يمكن الاستعداد له بالحماس والشعارات، ولا يكفي التطلع إليها لامتلاك القدرة على التأثير في مسارها.
إنها نتاج تناقضات اجتماعية وسياسية تتطور داخل المجتمع، ولا يمكن لتنظيم ثوري أن يتعامل معها بجدية دون فهم بنيتها، وتحديد القوى الاجتماعية الفاعلة فيها، وبناء علاقات مستمرة معها.
وهذا ما أراه جوهر المشروع الذي يحاول التيار بناءه: تنظيم ينطلق من نقد المجتمع وتحليل تناقضاته، ويجعل من وضوح الرؤية وتراكم الخبرة والبناء التنظيمي أساسًا لعمله، بدلًا من الارتهان للأحداث أو اللهفة على لحظة ثورية جديدة.
ولذلك فإن قيمة هذا التوجه لا تكمن في قدرته على إصدار مواقف أكثر حدة من غيره، بل في إدراك أن التنظيم الثوري ينبغي أن يكون قادرًا على العمل في فترات الصعود والتراجع، وأن يحافظ على مشروعه دون أن يفقد صلته بالواقع.
لقد رأيت في التيار محاولة لبناء كيان يستمر لأن لديه مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا، لا لأنه ينتظر حدثًا يمنحه دورًا مؤقتًا.
وهذا هو المعنى الذي أقصده عندما أقول إنني أرى فيه مشروعًا وُلد ليبقى.
لا أقصد بذلك أن بقاءه مضمون، أو أن وضوح أفكاره يكفي لتحقيق أهدافه، وإنما أن طريقة تفكيره في بناء التنظيم تمنحه، في تقديري، أساسًا مختلفًا عن التجارب التي عايشتها.
ولا أتجاهل أن التيار لا يزال يواجه تحديات حقيقية في بناء حضوره الاجتماعي وتحويل رؤيته إلى ممارسة منظمة. لكنني أميز بين تنظيم لا يمتلك مشروعًا واضحًا، وتنظيم يمتلك مشروعًا ويواجه صعوبة في بناء الأدوات اللازمة لتحقيقه.
فالأول يحتاج إلى إعادة النظر في أسباب وجوده، أما الثاني فيحتاج إلى العمل على تطوير قدراته، واختبار برنامجه، وتوسيع علاقاته الاجتماعية، ومراجعة أخطائه.
لماذا قررت الانضمام؟
بعد هذه التجربة، لم يعد الانتماء السياسي بالنسبة لي مسألة توافق فكري أو رغبة في المشاركة داخل كيان قائم.
لقد أصبحت أرى أن التنظيم الذي يستحق الانتماء إليه يجب أن يجمع بين وضوح المشروع السياسي، والاستقلال عن المصالح والتمويل المشروط، والديمقراطية الداخلية، والقدرة على النقد والمراجعة، والعمل طويل الأمد لبناء قوة اجتماعية قادرة على التغيير.
ولا أعتبر أن تبني الاشتراكية يمنح أي تنظيم حصانة من الانحراف أو الفشل. فالمبادئ لا تكتسب قيمتها من إعلانها، وإنما من قدرتها على توجيه الممارسة، ومن وجود آليات تتيح محاسبة من يخالفها.
لكنني، من خلال متابعتي لتيار الثورة الاشتراكية، وجدت ما يدفعني إلى الاعتقاد بأن مشروعه يستحق المشاركة في بنائه، لا الاكتفاء بمراقبته أو الاتفاق مع مواقفه من الخارج.
فالمسألة بالنسبة لي لم تعد البحث عن مساحة جديدة للعمل السياسي، وإنما تحديد المشروع الذي يمكن أن أضع فيه ما تعلمته من تجاربي السابقة، وأساهم في تطويره بدلًا من تكرار إخفاقاتها.
الخاتمة: اختيار سياسي لا مجرد انتماء
لم تكن تجاربي سواء الاحتكاك الميداني بكفاية و6 ابريل او الانضمام الى حزب الدستور ووطن بلا تعذيب مراحل عابرة انتهت بانتهاء مشاركتي فيها. فقد كشفت لي، كلٌّ بطريقتها، كيف يمكن أن يتفكك التنظيم تحت وطأة خلافاته، أو يفقد استقلاله أمام المصالح، أو تتحول مؤسساته إلى دوائر للولاء الشخصي، أو تُستخدم قضاياه العامة لتحقيق مكاسب خاصة.
كما كشفت لي تجربة ما بعد يناير أن رفع الشعارات الثورية لا يمنع الانحراف نحو الإصلاحية، وأن التاريخ النضالي لا يمنح أصحابه حق احتكار تمثيل الثورة أو حصانة من النقد.
لهذا لم أعد أقيس التنظيمات بما تعلنه عن نفسها، وإنما بطبيعة المشروع الذي تبنيه، وبمدى اتساق مواقفها مع مبادئها، وبقدرتها على الاستمرار دون التفريط في استقلالها.
ومن هذا المنطلق، أرى في تيار الثورة الاشتراكية الخيار الأقرب إلى ما أبحث عنه سياسيًا وتنظيميًا.
فأنا لا أريد الإنتماء إلى تنظيم يعيش على ذكرى ثورة مضت، أو يعلّق وجوده على انتظار ثورة قادمة. أريد المشاركة في بناء تنظيم يعرف لماذا وُجد، ولصالح من يناضل، وما الذي يسعى إلى تغييره في المجتمع، ويمتلك الاستعداد للعمل على ذلك مهما طال الطريق.
لقد حسمت تجاربي السابقة بالنسبة لي سؤالًا أساسيًا: لا جدوى من مشروع سياسي يعجز عن بناء الأداة التي تحمله، ولا قيمة لتنظيم يستمر على حساب المبادئ التي نشأ من أجلها.
ولهذا قررت الانضمام إلى تيار الثورة الاشتراكية. ليس هروبًا من إخفاقات الماضي، ولا بحثًا عن تجربة جديدة اختبرها، بل لأنني أرى فيه مشروعًا يستحق أن أتحمل مسؤولية المشاركة في بنائه.
فالانتماء الذي اخترته ليس إلى الثورة بوصفها حدثًا، وإنما إلى مشروع ثوري يعمل على تغيير المجتمع، ويعرف أن بناء التنظيم جزء من هذا التغيير، لا مهمة مؤجلة إلى حين اندلاع الثورة.

