30-07-2026
استهدفت بالأمس مسيّرةٌ منشأةَ غازٍ أمريكيةً عائمةً في ميناء دمياط، ما أدى إلى اشتعال النيران فيها وامتدادها إلى سفينة مصرية مخصصة لتخزين الغاز، وذلك دون أن تتعرض المسيّرة لأي محاولة اعتراض أو إسقاط من قبل قوات الدفاع الجوي، أو حتى أن تُرصد من قِبل منظومة الإنذار المبكر التي أُنفقت عليها ملايين الدولارات ضمن برامج تطوير وتحديث الجيش المصري.
وإذ يدين تيار الثورة الاشتراكية بأشد العبارات العربدة العسكرية الأمريكية، فإنه يحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن التصعيد المتسارع في المنطقة، نتيجة حربها الإمبريالية، بالتعاون مع حليفها الاحتلال الإسرائيلي، ضد إيران. وهي حرب تضحي فيها واشنطن بمصالح حلفائها من الحكومات العربية التابعة لها، بعدما ردت إيران على الهجمات التي تعرضت لها بضرب القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي جعل شعوب الدول العربية والمقيمين فيها وقودًا لحرب تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف فرض واقع جديد، وإعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة، بعد فصول من المحرقة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وحربها على لبنان، واحتلالها لأجزاء من جنوبه، وتوسيع احتلالها للأراضي السورية.
وها نحن نشهد اتساع أتون الحرب ليصل إلى ميناء دمياط.
وإذ نشدد على رفضنا القاطع للعدوان والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وندين تبعية الحكومات العربية لهما، التي أدت إلى ارتهان شعوب المنطقة لمصالح المشروع الإمبريالي الصهيوني الأمريكي، فإننا نؤكد في الوقت نفسه حق إيران المشروع في الدفاع عن نفسها، كما نؤكد الحق المبدئي للشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال.
كما تجدر إدانة النظام المصري، الذي يتخذ من التبعية للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي وحلفائهما في الخليج قبلةً يتمحور حولها مشروعه السياسي والاقتصادي، بما يضمن له تدفق القروض والاستثمارات، ولو كان ثمن ذلك إغراق الاقتصاد والدولة المصرية في مزيد من التبعية والارتهان.
ويتجسد ذلك في تعميق التكامل الاقتصادي مع الاحتلال الإسرائيلي بعقود طويلة الأجل لاستيراد الغاز. فقد أُعلن قبل أيام عن صفقة جديدة لاستيراد الغاز الفلسطيني من الاحتلال بهدف إعادة تصديره، بقيمة 20 مليار دولار تمتد حتى عام 2038، وذلك بالإضافة إلى الصفقة التي أُبرمت عام 2025 بقيمة 35 مليار دولار، والممتدة حتى عام 2040.
إن مشروع النظام المصري القائم على التبعية والتحالف مع الولايات المتحدة وحليفتها، الاحتلال الإسرائيلي، لم يكن يومًا مشروعًا لخدمة مصالح الشعب المصري أو مواطنيه. ولا يحتاج ذلك إلى كثير من الكلمات لإثباته، فالواقع خير دليل. فما نشهده اليوم من تراجع في الخدمات العامة، وخفضٍ لقيمة العملة، وتضخمٍ متفاقم، وانهيارٍ في منظومتي التعليم والصحة، ليس سوى نتاجٍ لهذا المشروع التدميري، الذي بات النظام المصري يمثل فيه يد الاحتلال في تنفيذ سياساته وفرضها على الشعب المصري.
وتمثل الطبقة الحاكمة المصرية المستفيد الثاني من هذا المشروع التدميري، إذ يراكم من ورائه أقطاب النظام وزبانيته أرباحًا وثرواتٍ طائلة، يجنيها كبار ضباط الجيش والشرطة، ورجال الأعمال، والمستشارون، وكبار موظفي الدولة. فهذا المشروع القائم على التبعية للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما هو مدمر للشعب المصري، فإنه يشكل مصدرًا هائلًا للمنفعة للطبقة الحاكمة، ويمكنها في الوقت نفسه من استدامة سيطرتها على المجتمع. فبقدر ما يفاقم هذا المشروع فقر الشعب وهشاشته الاجتماعية، فإنه يضاعف ثروات الطبقة الحاكمة ويضمن استمرار هيمنتها على المجتمع.
إن ما نشهده اليوم من تدميرٍ لشتى مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر هو نتاج المشروع الاستعماري الهادف إلى الإبقاء على نموذج التبعية والهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وما شهدناه بالأمس من استهداف منشأة غاز أمريكية عائمة في ميناء دمياط ليس إلا أحد نتائج خضوع النظام المصري وإمعانه في التبعية، التي بلغت حد إرسال مفرزة من الطائرات الحربية إلى الإمارات، إلى جانب أسراب من الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، للمشاركة في الحرب على إيران.
وهو ما يقرع ناقوس الخطر، وينبهنا إلى أن علينا اليوم أن ننهض جميعًا للدفاع عن وطننا، وأن ننتزع دفة البلاد من أيدي من يقودونها لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ولخدمة أقلية مصرية تمثلها الطبقة الحاكمة، وأنصار النظام، والمنتفعون من ورائه.
إن بناء مشروع وطني تحرري ديمقراطي، بديلًا عن مشروع التبعية للهيمنة الأمريكية والصهيونية الذي يتبناه النظام العسكري بقيادة الديكتاتور السيسي، لم يعد خيارًا، بل ضرورةً وطنيةً ملحةً تفرضها مسؤوليتنا تجاه أنفسنا، وتجاه الأجيال القادمة، ومستقبل بلادنا. فاستقلال القرار الوطني، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، هي وحدها الكفيلة بإخراج مصر من دوامة التبعية والاستبداد والحروب التي تُفرض على شعوب المنطقة.
إن بناء هذا المشروع لم يعد خيارًا نملك رفاهية تأجيله، بل ضرورة وطنية ملحة، لإنقاذ بلادنا مما ألحقه مشروع التبعية بها من تدمير سياسي واجتماعي واقتصادي، ومن أخطار باتت تمس أمنها وسيادتها بصورة مباشرة، كما تجلى ذلك في الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط بالأمس، بوصفه إحدى نتائج هذه التبعية وذلك التحالف.
إننا نمد أيدينا إلى كل مواطن ومواطنة، وإلى جميع القوى السياسية والنقابية والمجتمعية، من أجل أن نعمل سويًا على بناء مشروع وطني تحرري ديمقراطي، يتمحور حول مصالح غالبية الشعب من عمال، وطلبة، وموظفين، وفلاحين، وصيادين، وسائر الفئات التي باتت تعاني اليوم من التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
انضموا إلينا، وناضلوا معنا من أجل بناء مشروع وطني تحرري ديمقراطي، يكون بديلًا عن مشروع النظام القائم على التبعية والارتهان للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.
تيار الثورة الاشتراكية
30 يوليو 2026

