28-07-2026
بقلم: حسن مصطفى
في 13 أكتوبر 2025، انعقدت قمة شرم الشيخ للسلام برئاسة مشتركة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والمصري عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة قادة أكثر من عشرين دولة. هدفت القمة إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة، وذلك بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025. وكانت هذه الترتيبات جزءًا من خطة الرئيس الأمريكي لتأسيس مجلس السلام العالمي، الذي أُعلن عنه على هامش اجتماعات منتدى دافوس في 22 يناير 2026. وضم المجلس في عضويته عشرين دولة، من بينها دولة الاحتلال الإسرائيلي، من دون أن يضم أي تمثيل فلسطيني، فلا السلطة الفلسطينية ولا أي فصيل أو قوة فلسطينية أخرى كانت ممثلة فيه.
في هذا التقرير، نستعرض حصيلة تسعة أشهر من وقف إطلاق النار، وستة أشهر من عمل مجلس السلام العالمي. فما الذي كان يُفترض أن يحققه هذا المجلس؟ وماذا تحقق بالفعل على أرض الواقع؟ والأهم، ماذا جنى سكان قطاع غزة من ورائه؟
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، بوساطة مصرية-قطرية، لم يتوقف الاحتلال، ولو ليوم واحد، عن استهداف الفلسطينيين وقصفهم في قطاع غزة، إذ كان وقف إطلاق النار من جانب واحد فقط. فمنذ دخوله حيّز التنفيذ، يواصل الاحتلال قتل ما بين أربعة وخمسة فلسطينيين في المتوسط يوميًا، ليتجاوز عدد الشهداء، منذ وقف إطلاق النار وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، 1160 شهيدًا، من بينهم مئات الأطفال، فضلًا عن أكثر من 3750 جريحًا.
ويجري ذلك في ظل استمرار الحصار، ومنع حرية تنقل المسافرين من القطاع وإليه، وحظر دخول وسائل الإعلام والصحافة العالمية، وتقييد تدفق البضائع والمساعدات الإنسانية، وتقييد دخول الوقود، ومنع إدخال معدات وأدوات البناء اللازمة لإعادة الإعمار. وهو ما يعني عمليًا وضع عراقيل تحول دون عودة الحياة إلى المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، واستمرار سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، التي حصدت حتى الآن أرواح أكثر من 73 ألف شهيد، فضلًا عن نحو 10 آلاف مفقود، وأكثر من 174 ألف مصاب، إلى جانب تهجير سكان القطاع جميعًا وتحويلهم إلى لاجئين في مدن الخيام.
هذا هو واقع الهدنة ووقف إطلاق النار، فماذا عن مجلس السلام العالمي الذي أطلقه ترامب؟ لقد شكّلت شعارات مثل “إعادة الإعمار” و”تحقيق السلام”، التي رفعها ترامب في إطار ما سمّاه “خطة السلام في غزة”، محاولةً لذر الرماد في العيون، فهي أشبه بمحاولة الجلاد تضميد جراح ضحيته. فالولايات المتحدة، التي كانت ولا تزال المزوّد الأول للاحتلال بالسلاح الذي استخدمه في ارتكاب جرائمه بحق الفلسطينيين على مدار السنوات الماضية، لا يعنيها بقاء الفلسطينيين في غزة من عدمه، ولا يعنيها تحقيق السلام من الأساس، وإنما يعنيها تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي أُنشئ مجلس السلام العالمي من أجلها.
فما كان يعني الولايات المتحدة، وما دفعها إلى التدخل لتغيير طريقة إدارة حرب الإبادة قبل أكتوبر 2025، هو الضرر الذي لحق بصورتها وصورة حليفها، الاحتلال الإسرائيلي. فقد وضعتهما الحرب في مواجهة ملاحقات قانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، كما جعلت المسؤولين السياسيين في الدولتين يواجهون هتافات الغضب والاستنكار كلما اضطروا إلى الظهور أمام جمهور، سواء في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر في العالم. أما الاحتلال الإسرائيلي، فلم يعد حتى مواطنوه يحظون بالترحيب في معظم دول العالم. ومن هنا، كان لا بد من الانتقال إلى مرحلة جديدة تُدار فيها حرب الإبادة والتطهير العرقي بأدوات وأساليب مختلفة، دون التخلي عن الأهداف السياسية والاستراتيجية نفسها.
فلا يوجد أي اعتبار مبدئي لدى الولايات المتحدة في الأمر، وهو لا يعدو أن يكون مناورةً لاحتواء الغضب العالمي المتصاعد إزاء الإبادة الجماعية، بما يسمح باستمرار الإبادة والتطهير العرقي لكن بوتيرة أبطأ.
اليوم، وبعد ستة أشهر على قيام مجلس السلام العالمي، ماذا تحقق من سلام أو إعادة إعمار في قطاع غزة؟ لا يزال القصف والقتل مستمرين كل يوم، وما زالت مواد البناء والمعدات اللازمة لإعادة الإعمار ممنوعة من الدخول، وما زال المواطنون يعيشون في الخيام، ويُجبرون على النزوح مرة بعد أخرى كلما قرر الاحتلال توسيع المنطقة التي يسيطر عليها داخل القطاع.
فقد نصّت خطة السلام على انسحاب قوات الاحتلال إلى ما عُرف بـ”الخط الأصفر”، باعتباره المرحلة الأولى من الانسحاب، مع الإبقاء على سيطرة الاحتلال على 53% من مساحة القطاع، تمهيدًا لمرحلتين لاحقتين تنتهيان بانسحاب كامل من القطاع غزة، مع الإبقاء على منطقة أمنية عازلة تحت سيطرته. غير أن الواقع على الأرض سار في اتجاه مغاير تمامًا، فلم يتحقق أي تقدم نحو المرحلتين اللاحقتين. فبعد تنفيذ المرحلة الأولى، التي تضمنت تبادل من تبقى من الرهائن الإسرائيليين مقابل 250 أسيرًا فلسطينيًا و1700 معتقل من أبناء قطاع غزة اعتُقلوا خلال حرب الإبادة، عاد الاحتلال مرة أخرى إلى توسيع رقعة سيطرته داخل القطاع. وقد أعلن رئيس وزراء الاحتلال لاحقًا أن جيشه بات يسيطر على 70% من مساحة القطاع، وأنه أصدر تعليماته بتوسيع تلك السيطرة وتعزيزها.
فأين مجلس السلام العالمي من استمرار الاحتلال في توسيع سيطرته وإعادة ترسيم “الخط الأصفر” بما يكرّس تلك التوسعة، بدلًا من استكمال الانسحاب وفق المرحلة الثانية من الاتفاق؟ وأين هو من استمرار القتل اليومي للفلسطينيين، واستمرار الحصار والتجويع؟
في الواقع، لم يكن صمت المجلس عجزًا عن أداء دوره، بل لأنه يؤدي الدور الذي شُكِّل من أجله. فالدول الأعضاء فيه نفسها شريكة في هذا الدور. والدول العربية الأعضاء فيه جميعها إما حليفة للولايات المتحدة، أو مطبعة مع الاحتلال، أو تجمع بين الأمرين. فالسعودية والكويت وقطر دول تدور في فلك الولايات المتحدة، أما مصر والإمارات والبحرين والمغرب، فإلى جانب تبعيتها للولايات المتحدة، فهي أيضًا دول مطبعة مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد حافظت على علاقاتها معه، واستمرت في التبادل التجاري، الذي تضاعف بالنسبة لبعضها خلال حرب الإبادة.
ولأن مجلس السلام العالمي بات يُنظر إليه بوصفه غطاءً أمريكيًا جديدًا لحماية الاحتلال الإسرائيلي، وضمان استمرار التطهير العرقي والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، وربما أيضًا وسيلة لتحقيق أرباح لصالح صهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر، المطور العقاري وعضو المجلس التنفيذي لمجلس السلام، الذي أعلن سابقًا عن خطط للتطوير العقاري في قطاع غزة، فقد امتنعت غالبية دول العالم عن المشاركة فيه. فمن بين الدول الأوروبية، لم تشارك سوى المجر، التي كان يقودها آنذاك فيكتور أوربان، أحد أقرب حلفاء ترامب في أوروبا، قبل خسارته الانتخابات الأخيرة. كما رفضت كل من جنوب أفريقيا، والبرازيل، وماليزيا، وكندا، والصين، ونيوزيلندا المشاركة في المجلس.
إن سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة، عبر مواصلة سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ليس أمرًا يُستنتج من الوقائع فحسب، بل يعبّر عنه المسؤولون الإسرائيليون في تصريحات علنية يومًا بعد الآخر. وعندما يكون الاحتلال نفسه عضوًا في مجلس السلام المزعوم، تتجلى عبثية ادعاء السعي إلى تحقيق السلام.
ولم يقتصر الأمر على التصريحات، بل نظمت الأحزاب اليمينية الإسرائيلية، بمشاركة حزب الليكود بزعامة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، مسيرة انتهت عند السياج الفاصل بين قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، طالبت بإعادة الاستيطان في القطاع، بعد نحو عشرين عامًا على تفكيك المستوطنات وانسحاب الاحتلال الأحادي الجانب منه عام 2005.
في النهاية، نعلم أن إبادة الشعب الفلسطيني والتطهير العرقي في قطاع غزة والضفة الغربية مستمران تحت ستار مجلس السلام العالمي، وبتواطؤ القوى العالمية بقيادة الولايات المتحدة، ومشاركة أنظمة الاستبداد العربية، التي ترى في إصرار الفلسطينيين على نيل حريتهم، وتمسكهم بخيار المقاومة، ورفضهم الإذعان للاحتلال، نموذجًا لا تريد لشعوبها أن تحتذي به، حتى لا تطالب هي الأخرى بانتزاع حريتها من أنظمة لا تقل إجرامًا ووحشية عن الاحتلال الإسرائيلي، في وقت يتعزز فيه تعاونها وتحالفها معه على نحو متزايد.
وإننا نؤمن بأن نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر هو جزء لا يتجزأ من نضال الشعوب العربية من أجل نيل حريتها، وفي القلب منها الشعب المصري، في مواجهة أنظمة الاستبداد والطبقات الحاكمة العربية المتحالفة مع الاحتلال الإسرائيلي، التي ترى في هذا التحالف ضمانةً لبقائها واستمرار حكمها، عبر تأمين دعم الولايات المتحدة والقوى الغربية لها في إطار علاقة إمبريالية، ندفع نحن شعوب المنطقة ثمنها ونتجرع مرارتها في حاضرنا ومستقبلنا.
وبرغم الحراك العالمي الضخم الذي أثارته بشاعة حرب الإبادة، والذي غطّى معظم بلدان العالم، فإن ذلك أثبت أنه غير كافٍ لوقف الإبادة والتطهير العرقي اللذين يُمارسان بحق الفلسطينيين، فضلًا عن توقيف مرتكبيهما ومحاكمتهم. ويرجع ذلك إلى سببين: أولهما استمرار الدعم والحماية اللذين يحظى بهما الاحتلال من القوى الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، فإن هذا الواقع يسير في اتجاه التغيير بوتيرة متسارعة، بفعل الصدمة التي أحدثتها حرب الإبادة لدى شعوب العالم، وما ترتب عليها من تصاعد المشاعر المناهضة للصهيونية وللاحتلال الإسرائيلي. وقد انعكس ذلك بالفعل في صورة تغير جزئي في مواقف بعض الدول تجاه الاحتلال، تحت ضغط الرأي العام في بلدانها، ما أدى في بعض الحالات إلى وقف التعاون العسكري معه أو تعليق صادرات السلاح إليه، كليًا أو جزئيًا. ومن المرجح أن يتواصل هذا المسار وينعكس بصورة أوسع في شكل خيارات سياسية جديدة مع كل انتخابات مقبلة في مختلف دول العالم.
أما السبب الثاني، فهو ما أفضت إليه عقود من تبعية الأنظمة العربية للولايات المتحدة وحليفتها، الاحتلال الإسرائيلي، حتى باتت تشكل درعًا لحمايته. ولا يدفع الشعب الفلسطيني وحده ثمن هذه التبعية، إذ يتعرض لإبادة جماعية على مرأى ومسمع من العالم، وإنما تدفع الشعوب العربية، ولا سيما الشعب المصري، ثمنها أيضًا في صورة القمع والاستبداد، نتيجة الدعم السياسي والاقتصادي الذي تقدمه القوى الإمبريالية للأنظمة العربية، مقابل استمرارها في حماية الأوضاع القائمة، بما يضمن إخضاع شعوبها وصيانة مصالح الإمبريالية، وفي القلب منها مصالح حليفتها الصهيونية.
ولذلك، فإن كسر هذه الحلقة من السيطرة الإمبريالية هو الطريق إلى فلسطين حرة، من النهر إلى البحر. غير أن هذا الطريق يستوجب الكثير من العمل والجهد والتنظيم والمقاومة، حتى ننجح أولًا في تحرير أنفسنا، بما يُمكّننا من تحويل الدور الذي تؤديه بلداننا العربية، وفي القلب منها مصر، من الدرع الذي يحمي الاحتلال ويساهم في حصار الفلسطينيين، إلى الطوق الذي يلتف على الاحتلال ويحاصره، ويقدم للفلسطينيين في الوقت نفسه الدعم والإسناد.

