01-07-2026
بقلم: حسن مصطفى
كانت المعادلة التي اعتمد عليها نظام حسني مبارك وبقية جمهوريات القمع العربية في حكم شعوب المنطقة تقوم على الترويج لفكرة أن البديل عن أنظمتهم القمعية هو صعود جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة. وقد استخدمت تلك الأنظمة هذه الجماعات بوصفها فزاعات، سواء أمام شعوبها في الداخل أو أمام الخارج، لتبرير استمرار الإجراءات الاستثنائية وتغييب الديمقراطية.
ومع صعود ثورات الربيع العربي، انتقلت هذه المعادلة من مستوى الدعاية والتخويف إلى مستوى التطبيق العملي. فقد أصبحت تمثل خطة أنظمة الاستبداد العربي، وطوق نجاتها في مواجهة الثورات، لقطع الطريق أمام شعوبها، ومنع سقوطها، وإعادة تثبيت سلطتها عبر سحق الثورة.
وكي يتمكن المجلس العسكري من تنفيذ تلك الخطة، كان عليه أن يقوم بعدة خطوات تسمح له بدفع الصراع في اتجاه يُصوَّر على أنه صراع بين الدولة الوطنية وجماعات الإسلام السياسي الأصولية، وذلك على طريق تهيئة مسرح العمليات للمعركة النهائية التي بات العسكريون يرونها ضرورية لحسم الصراع عبر الانقلاب، وإغراق المجتمع في دوامة من العنف، بما يمكّنهم من استعادة هيمنتهم.
وعبر التفاهمات التي أجراها المجلس العسكري مع الإخوان المسلمين حول إدارة المرحلة الانتقالية، تمكن من الحفاظ على مكتسباته وامتيازاته، والتي شملت الإبقاء على المحاكمات العسكرية للمدنيين، واستمرار النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية بعيداً عن أي رقابة، وتضمين ميزانية الجيش في الموازنة العامة كبند واحد تحت عنوان “الدفاع والأمن القومي”، بما يعني عملياً استبعادها من رقابة البرلمان، إلى جانب الإبقاء على أهم مفاصل السلطة تحت هيمنته، وفي مقدمتها المؤسسة القضائية، عبر الإبقاء على قضاة مبارك في مناصبهم. وهو ما أتاح له التأثير في العملية السياسية وتوجيهها. فبرغم سماحه بإجراء انتخابات أكثر ديمقراطية مما كانت عليه في عهد مبارك، فإنها جرت بطريقة مكّنته من الانقلاب على نتائجها.
فبدلاً من سن قانون للانتخابات البرلمانية يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، سواء من حيث تمويل الحملات الانتخابية أو فرص الوصول المتساوية إلى وسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية، ويحد من التدخل الخارجي في العملية السياسية، سمح المجلس العسكري لأنظمة الخليج الرجعية بضخ تمويلات ضخمة لصالح الأحزاب الإسلامية الأصولية، ومنحها حضوراً إعلامياً واسعاً، وهو ما أخل بتكافؤ الفرص داخل العملية الانتخابية، وأسهم في فوزها بأغلبية ساحقة في البرلمان الجديد.
وكما كان متوقعاً، لم يتجه البرلمان الجديد إلى سن تشريعات تعالج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت ملايين المصريين إلى الثورة، أو إلى تحقيق العدالة لجرائم النظام السابق وقتلة الثوار. بل انصرف إلى مناقشة قوانين وقضايا ذات طابع رجعي، أثارت استياء قطاعات واسعة من الرأي العام، وعمّقت حالة الإحباط والغضب تجاهه. ولهذا، حين أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها بحل البرلمان في 14 يونيو 2012، وأعادت السلطة التشريعية إلى المجلس العسكري من دون الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، لم تشهد البلاد احتجاجات جماهيرية تُذكر دفاعاً عنه، رغم أن ما جرى مثّل، في جوهره، أول انقلاب على مؤسسة منتخبة أفرزتها ثورة يناير، وقد مرّ من دون مقاومة سياسية أو جماهيرية تُذكر.
وقد سهّلت مقاطعة قطاع من القوى الثورية للانتخابات البرلمانية، أو انسحاب بعضها منها، ومن بينها كاتب هذه السطور، احتجاجاً على المجازر التي ارتكبها الجيش والشرطة بحق المتظاهرين في شارع محمد محمود، مهمة المجلس العسكري في الانقلاب على البرلمان عبر حله. ولو تمكنت أقلية من النواب الثوريين من دخول البرلمان، وخاضت من داخله نضالاً من أجل تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية الملحة للجماهير، إلى جانب الدفاع عن المطالب الديمقراطية، لكان من الممكن أن يتبلور بديل مدني حقيقي في مواجهة الإسلاميين. وكان من شأن ذلك أن يدفع قطاعات أوسع من الجماهير إلى إدراك أهمية الدفاع عن البرلمان، والمطالبة بإجراء انتخابات برلمانية جديدة فوراً، ورفض عودة السلطة التشريعية إلى قبضة المجلس العسكري.
وبذلك نجح المجلس العسكري، بمساندة القضاء، في حل البرلمان من دون أن يثير ذلك انتفاضة شعبية جديدة، كما نجح في تحويل اهتمام الجماهير إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة بوصفها الاستحقاق السياسي التالي. وفي الوقت نفسه، عمل على هندسة تلك الانتخابات وتوجيهها بما يضمن وصولها إلى النتيجة التي أرادها، عبر تزوير الجولة الأولى لضمان انتقال أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، إلى جولة الإعادة في مواجهة محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين.
وقد كشفت الطعون التي تقدم بها كل من حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وخالد علي عن وقائع عديدة تتعلق بتزوير الجولة الأولى، كان أهمها تضخيم عدد الأصوات التي جرى احتسابها لصالح شفيق، إذ إن استبعاد هذه الأصوات كان سيجعل حمدين صباحي الفائز في الجولة الأولى، لتصبح الإعادة بينه وبين محمد مرسي.
ومع ذلك، رفض القضاء تلك الطعون، حتى يستمر المجلس العسكري في توجيه الصراع نحو الصورة التي أرادها، بحيث يُصوَّر الصراع باعتباره صراعاً بين الدولة الوطنية وجماعات الإسلام السياسي الأصولية.
لاحقاً، في أواخر عام 2012، بدأ الجنرال السيسي والمجلس العسكري في تنفيذ خطوة جديدة على طريق استعادة الهيمنة الكاملة على المشهد السياسي المصري، وذلك عبر اختبار حجم المقاومة التي قد يواجهها أي تدخل مباشر للمؤسسة العسكرية على الأرض. وجاء ذلك عقب اعتداء أنصار محمد مرسي على المتظاهرين أمام قصر الاتحادية يومي 4 و5 ديسمبر 2012، وهي الأحداث التي دفعت بعض النشطاء والفاعلين السياسيين إلى توجيه دعوات للشرطة والجيش للتدخل لحمايتهم من اعتداءات أنصار الجماعة.
التقط السيسي هذه اللحظة واستثمرها سياسياً، فعقد المجلس العسكري اجتماعاً في 8 ديسمبر برئاسته بصفته القائد العام للقوات المسلحة، وذلك في غياب محمد مرسي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. ولم يكن هذا المشهد يحمل دلالة إجرائية فحسب، بل حمل أيضاً رسالة سياسية واضحة، مفادها أن المجلس العسكري بات يتصرف باعتباره فاعلاً سياسياً مستقلاً عن مؤسسة الرئاسة.
وكان لهذا المشهد دلالة إضافية لا يمكن تجاهلها، إذ سبق أن شهدت مصر واقعة مشابهة عشية تنحي حسني مبارك، عندما انعقد المجلس العسكري في 9 فبراير 2011 برئاسة المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة، في غياب مبارك، القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، قبل يومين فقط من إعلانه التنحي. ولهذا بدت خطوة السيسي، بالنسبة لكثيرين، وكأنها تذكير متعمد بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تحتفظ لنفسها بحق التدخل الحاسم في تقرير مصير السلطة السياسية في البلاد.
وكان لهذا المشهد دلالة إضافية لا يمكن تجاهلها، إذ سبق أن شهدت مصر واقعة مشابهة عشية تنحي حسني مبارك، عندما انعقد المجلس العسكري في 9 فبراير 2011 برئاسة المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة، في غياب مبارك، القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، قبل يومين فقط من إعلانه التنحي. ولهذا بدت خطوة السيسي بالنسبة لكثيرين وكأنها تذكير متعمد بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تحتفظ لنفسها بحق التدخل الحاسم في تقرير مصير السلطة السياسية في البلاد.
لم تعلن أي من القوى السياسية الرئيسية موقفاً يدين انعقاد المجلس العسكري في غياب الرئيس المنتخب، أو يرفض إصداره بياناً يتدخل بصورة مباشرة في الأزمة السياسية القائمة، أو يعترض على دعوة السيسي للقوى السياسية إلى حوار برعاية القوات المسلحة. بل على العكس، لم ترَ غالبية القوى الليبرالية والناصرية، وبالطبع فلول النظام السابق، في هذه الخطوات ما يستدعي الاعتراض أو الإدانة.
فبالنسبة لمحمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى وغيرهم من قادة جبهة الإنقاذ آنذاك، لم يكن تدخل الجيش في الحياة السياسية يمثل مشكلة مبدئية في حد ذاته، ما دام يجري في اتجاه إزاحة سلطة محمد مرسي وتقويض نفوذ الإخوان المسلمين.
وحين لم يظهر في البلاد أي موقف سياسي جدي يرفض تدخل الجيش في الأزمة أو يدين انعقاد المجلس العسكري في غياب الرئيس المنتخب، أو يعترض على دعوته للحوار وإصداره بيان 8 ديسمبر، باستثناء بعض الأصوات الفردية المحدودة التي استوعبت مبكراً ما كانت تشير إليه هذه التحركات، والتي جرى تهميشها، بل ومهاجمتها لاحقاً.
أدرك السيسي أن الطريق بات ممهداً أمامه للمضي قدماً واتخاذ خطوات أخرى على طريق الانقلاب. فقد كشفت له تلك اللحظة أن قطاعاً واسعاً من القوى السياسية بات مستعداً للتعامل مع الجيش باعتباره طرفاً فاعلاً في إدارة الصراع السياسي، بل إن بعض هذه القوى أخذ يراهن عليه بصورة متزايدة في معركته مع محمد مرسي والإخوان المسلمين. ومنذ ذلك الحين أصبح بإمكانه العمل على دفع حالة السخط والتعبئة الجماهيرية ضد الجماعة تدريجياً إلى أقصى مداها، تمهيداً للانقضاض على السلطة وإزاحة محمد مرسي وتنفيذ الانقلاب، ربما بوتيرة أسرع مما كان يتصور هو نفسه قبل أن يختبر ردود الفعل على خطواته.
“تمرد”: هل صنعتها المخابرات؟ أم استولت عليها؟
لا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل فارقاً حاسماً في فهم ما جرى. فسواء كانت “تمرد” قد نشأت ابتداءً بمبادرة من المخابرات، أو كانت حركة حقيقية جرى احتواؤها وتوجيهها لاحقاً، فإن النتيجة في الحالتين كانت واحدة؛ إذ تحولت الحملة إلى أداة سياسية في يد المخابرات، استُخدمت للسطو على الحركة الجماهيرية المتصاعدة، وتوجيهها نحو دعم الانقلاب العسكري والثورة المضادة، بدلاً من تعميق المسار الديمقراطي.
حصلت “تمرد” على دعم إعلامي ومالي ضخم مكّنها من لعب دور محوري في تعبئة الجماهير ضد محمد مرسي والإخوان المسلمين، وتوجيه حالة السخط الشعبي المتصاعدة في مسار سياسي محدد. ففي بداياتها رفعت الحملة شعار الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة باعتباره مخرجاً للأزمة السياسية المتفاقمة، غير أن هذا الشعار لم يلبث أن تحول إلى مطلب واحد، تمثل في عزل محمد مرسي ونقل السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا.
ولم يكن هذا التحول تفصيلاً ثانوياً. فالدعوة إلى نقل السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية، بعد تغييب أي دور لمؤسسات أو هيئات منتخبة ديمقراطياً، كانت تعني عملياً نقل مركز الثقل السياسي من المؤسسة المنتخبة الوحيدة المتبقية بعد حل البرلمان إلى مؤسسات الدولة القديمة التي ظلت خارج نطاق التغيير منذ سقوط مبارك. وهو ما كان عملياً عودة إلى هيمنة المؤسسة العسكرية بوصفها الضامن الفعلي لهذا الانتقال، وهو ما جعل هذا المسار، عملياً، خطوة متقدمة على طريق تهيئة الانقلاب.
وسواء كانت “تمرد” صنيعة للمخابرات منذ البداية أم جرى الاستيلاء عليها وتوجيهها لاحقاً، فلا أقصد أن جميع أعضائها ومنتسبيها كانوا عملاء أو متعاونين مع أجهزة الدولة. فمثل هذا الاستنتاج تبسيطي، ولا يستقيم مع طبيعة الحركات السياسية والجماهيرية. إذ يكفي أن تكون الحلقة القيادية الضيقة والمؤثرة خاضعة لهذا التأثير أو ذاك، حتى تتمكن من توجيه الحركة بأكملها في الاتجاه الذي رُسم لها.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على تلك الأحداث، تبدو نتائج ذلك أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالأسماء التي كانت تتصدر قيادة “تمرد” في تلك المرحلة انتهى بها المطاف داخل مؤسسات النظام نفسه، بين مقاعد البرلمان وأبواق الدفاع عن السلطة العسكرية وديكتاتور السيسي. بينما كان نصيب كثير من الذين حذروا مبكراً من ارتباط الحركة بأجهزة الدولة، أو كشفوا طبيعة الدور الذي كانت تؤديه، الملاحقة الأمنية أو السجن.
وربما، في المستقبل، حين يسقط النظام ويجري الاستيلاء على مقرات المخابرات، وفحص ما يحتويه أرشيفها، والتحقيق مع الضباط الضالعين في تلك المرحلة والمشرفين عليها، سيكون بمقدورنا أن نجزم بحجم وطبيعة الدور الذي أدته “تمرد”. لكن ما نستطيع أن نجزم به الآن هو الجهة التي استفادت في النهاية من نشاطها السياسي والتعبوي.
دور جبهة الإنقاذ في التمهيد للانقلاب
لم تظهر “تمرد” في فراغ، بل كانت الرافعة الشعبية المدعومة من الطبقة السياسية، ممثلة في جبهة الإنقاذ، التي كان أطرافها يعتبرون أنفسهم قوى “مدنية”. غير أن مفهومهم لمدنية الدولة كان مفهوماً غامض المعالم؛ فهم يرفضون استخدام الدين في السياسة حين يمارسه الإخوان المسلمون، بينما يتقبلونه، أو يتماهون معه، حين توظف الدولة الاستبدادية العسكرية الشعارات الدينية لخدمة مصالحها.
وبالقدر نفسه الذي اتسم به مفهومهم لمدنية الدولة بالغموض في مواجهة الدولة الدينية، اتسم أيضاً بازدواجية واضحة في المعايير حين تعلق الأمر بالدولة العسكرية أو بالحكم العسكري. فقد رفضوا الدولة الدينية، لكنهم لم يتبنوا الموقف نفسه من تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
وهو ما عنى بالنسبة لأطراف جبهة الإنقاذ أن تدخل الجيش لإزاحة الإخوان المسلمين لم يكن يمثل مشكلة مبدئية. وقد مثل هذا الموقف فرصة ذهبية للقوة العسكرية الأكثر تنظيماً وتسليحاً في المجتمع، ممثلة في المجلس العسكري، وهي الفرصة التي سعى إلى تهيئة شروطها منذ بداية الثورة، كي يستعيد موقعه بوصفه المهيمن الرئيسي على السياسة المصرية، علماً بأن المجلس العسكري لم يكن قد جُرد أصلاً من امتيازاته أو من هيمنته على مفاصل الدولة، بفضل الصفقة التي عقدها مع الإخوان، والتي وفرت له الحماية والحصانة منذ الإطاحة بمبارك في فبراير 2011.
وحين تأكد للمجلس العسكري أن قطاعات واسعة من الطبقة السياسية باتت مستعدة لتوفير الغطاء السياسي لتدخله، بعد أن نجح في تصوير الصراع باعتباره صراعاً بين الدولة الوطنية وجماعات الإسلام السياسي الأصولية، وتأجيج حالة السخط الشعبي ضد الإخوان إلى مستويات غير مسبوقة منذ وصولهم إلى السلطة، انتقل من سياسة المناورة وتهيئة مسرح العمليات إلى السعي المباشر لاستعادة السلطة. وبهذا تمكن من تنفيذ انقلاب عسكري بغطاء سياسي وشعبي واسع، مكّنه لاحقاً من شن الثورة المضادة الأكثر عنفاً ودموية في تاريخ مصر المعاصر.
غير أن اكتمال تهيئة مسرح العمليات للانقلاب لا يعني أن وقوعه بات حتمياً. فهل كان بالإمكان إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في آنٍ واحد؟ وهل كان ثمة مسار سياسي آخر من شأنه أن يغيّر مجرى الأحداث؟ هذا هو السؤال الذي يتناوله الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.

