30-06-2026
بقلم/ حسن مصطفى
الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالماضي كما قد يتصور البعض، بل تتعلق بالحاضر وبالمستقبل الذي ما زال ذلك الماضي يشكله ويعيد إنتاجه. فتفكيك هذا الماضي وإعادة النظر في تحولاته الرئيسية يساعداننا على فهم كيف وصلنا إلى الوضع الكارثي الراهن، بما يسمح لنا برسم ملامح طريق للخروج منه وتغييره.
وذلك من خلال إعادة قراءة تلك المرحلة بشجاعة ونزاهة، على نحو يتيح لنا تقييم مواقفنا ومواقف مختلف الأطراف التي شاركت في تشكيل هذا المسار، والوقوف على نتائجها الفعلية، وطرح تساؤل عمّا إذا كان اختلاف المواقف كان كفيلاً بأن يقود إلى مسارات ونتائج مختلفة. فكما يقول كارل ماركس: “يصنع البشر تاريخهم بأنفسهم”، لكنه يضيف: “لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ فهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف قائمة بالفعل، معطاة لهم ومنقولة من الماضي.”
فعندما احتشدت الجماهير في الميادين والشوارع في يناير 2011، وبدأت الطبقة العاملة في السيطرة على المصانع وأماكن العمل عبر الإضرابات، باتت الجماهير هي المسيطر الفعلي على البلاد. لكن غياب قيادة منظمة قادرة على رسم الطريق نحو انتزاع السلطة، من خلال تنظيم مجالس محلية تنتخب قيادة للجماهير، والبدء في بناء هياكل ديمقراطية مستقلة عن الدولة، حال دون ذلك.
فلو تشكلت هذه المجالس الديمقراطية، لكان بمقدورها إصدار البيان الثوري رقم (1)، الذي يدعو جنود الجيش إلى إعلان تضامنهم العلني مع الجماهير الثائرة، ورفض أي محاولة لاستخدامهم ضد الثورة، وهي الخطوة الأساسية التي كانت ستكسر شوكة الضباط. لكن، في ظل غياب تلك القيادة الثورية التي كانت الجماهير بحاجة إليها، انتظرت الجماهير ثمانية عشر يوماً حتى تستجيب السلطة لمطالبها، وهو ما سمح للمجلس العسكري بأخذ زمام المبادرة.
وبعد أن سمح المجلس العسكري لنظام مبارك بممارسة كل محاولات إخلاء الميادين بالقوة، أصدر بيانه العسكري الأول مدعياً زوراً أنه يقف إلى جانب الشعب. لكنه، في الحقيقة، كان قد أدرك أن الاحتفاظ بالسلطة يقتضي تقديم تنازلات للثورة، فأجبر مبارك على التنحي في 11 فبراير، ثم علّق العمل بالدستور، وحل مجلسي الشعب والشورى.
وقد أتاح احتفاظ المجلس العسكري بالسلطة واستمرار هيمنته على السياسة والمجتمع التحكم في مسار المرحلة الانتقالية بالشكل الذي مهد لخطوته التالية للقضاء على الثورة، والتي تمثلت في تفريغ الحالة الثورية التي أوجدتها، وإعادة منظومة القمع وهيمنة الدولة على الميادين والشوارع، وإعادة المواطن إلى جادة الطاعة والخنوع مرة أخرى، بما يضمن استمرار هيمنة سلطة الضباط على المجتمع.
فالثورة التي أحدثت زلزالاً سياسياً هائلاً استطاعت فقط أن تُحدث شرخاً في جدار سلطة الضباط، لكنها لم تتمكن من هدمه. وهو ما دفع الضباط إلى تنفيذ مناورة تراجع ناجحة في تكتيك حرب المواقع، أتاحت لهم احتواء الثورة وإعادة تنظيم صفوفهم، تمهيداً لهزيمتها وترميم جدار سلطتهم المتداعي.
أنتج هذا الوضع الناجم عن الثورة غير المكتملة حالةً من الغليان الثوري ظلت تموج بها البلاد طوال عامي 2011 و2012 وحتى النصف الأول من عام 2013. فمن ناحية، لم تطح الثورة بالنظام والأسس السياسية والاقتصادية التي يقوم عليها، بما يسمح بحدوث تغيير حقيقي في نمط العلاقات والأوضاع الاجتماعية والمعيشية. ومن ناحية أخرى، كانت جماهير الثورة والعمال تملؤها تطلعات مشروعة إلى تحسين أوضاعها، وهي تختبر للمرة الأولى قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث وصناعة واقعها بنفسها.
ولهذا لم يهدأ الوضع بعد سقوط مبارك، بل ظلت المظاهرات تملأ الشوارع والميادين، وانتشرت الاعتصامات والإضرابات في طول البلاد وعرضها. فقد كانت الثورة تخوض هي الأخرى حرب مواقع متواصلة ضد النظام القديم، لكن دون هيئة أركان مشتركة أو تخطيط مركزي ينسق معاركها ونضالاتها، ودون تصور سياسي واضح لما يمثّل انتصاراً حقيقياً للثورة أو للطريق المؤدي إليه.
في خضم هذه الأوضاع، برز إلى السطح تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، صاحب التوجه الاقتصادي الرأسمالي، والمكوّن لأحد أجنحة البرجوازية المصرية، وصاحب التوجهات الأصولية الرجعية والطائفية. وكانت الجماعة تُقاد من قبل تشكيلة من رجال الأعمال والمهنيين، يتقدمهم رجل الأعمال خيرت الشاطر، الذين دخلوا في سباق محموم للاستحواذ على مواقع السلطة التي خلّفها سقوط نظام مبارك وحزبه الوطني تحت وطأة الثورة.
وقد حكمت علاقة الجماعة بالمجلس العسكري آنذاك حالة من التجاذب والتنافر في آنٍ واحد؛ تمثلت في تقارب براجماتي أملته المصالح المشتركة لكل طرف في تلك اللحظة. فقد أراد الضباط ترميم سلطتهم المتآكلة واحتواء المد الثوري، بينما سعت الجماعة إلى مأسسة شرعيتها واقتناص أكبر حصة ممكنة من كعكة الحكم.
فشكّل الإخوان المسلمون، في هذا السياق، الدروع والكوابح التي استخدمها المجلس العسكري لتهدئة الشارع وتفريغ الحالة الثورية، وحرفها بعيداً عن استكمال الثورة بإسقاط سلطة المجلس العسكري نفسه، وتفكيك هيمنة المؤسسة العسكرية وأجهزتها الأمنية على المجتمع، وتقويض أسس الدولة الاستبدادية بصورة جذرية.
وقد تحقق ذلك من خلال الغطاء السياسي الذي وفره الإخوان للمجلس العسكري، والذي مكنه من وقف حالة التراجع والتنازلات التي أجبرته الثورة عليها، واستعادة توازنه تدريجياً عبر مسار من التسويات والتنازلات المتبادلة بين الطرفين، احتفظ فيه المجلس العسكري لنفسه باليد العليا، وبات الإخوان المسلمون يشكلون الجناح الثاني للثورة المضادة المصرية.
غير أن هذا التقارب المرحلي لم يكن قادراً على تذويب أو إلغاء التنافر الهيكلي الذي كان يضمره الضباط للإخوان المسلمين، وهو تنافر نتج عن عدة عوامل متداخلة؛ منها سمة الاستعلاء والصلف العسكري التي يضمرها العسكريون عموماً تجاه المدنيين في مصر، ومنها ما هو ذو طابع طبقي، ومنها أيضاً ما يرتبط بالعلاقة التي نشأت بين المؤسسة العسكرية والاحتلال الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، إذ كان تقاسم السلطة مع الإخوان من شأنه أن يشكل قيداً على تلك العلاقة.
سعى الضباط إلى الاستفادة من شراكتهم مع الإخوان في احتواء الثورة، باعتبار أن الجماعة كانت قادرة على التأثير بفاعلية في الشارع عبر توظيف الشعارات الدينية، وهو ما ظهر بوضوح في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011. ومع ذلك، كان الضباط في الوقت نفسه يتحينون الفرصة للتخلص من الجماعة وإقصائها بمجرد أن تفرغ من مهمتها، حتى يعودوا إلى الاستئثار المطلق بالسلطة كما اعتادوا منذ نشوء نظامهم عام 1952. وهكذا كانت الجماعة، في نهاية المطاف، بمثابة حفّار قبر الثورة المصرية، الذي دُفع هو نفسه إلى الحفرة التي حفرها بمجرد أن انتهى من مهمته.
وبينما نجح الضباط في حماية مكتسباتهم، ووقف تراجعهم أمام الثورة، وترميم سلطتهم التي تصدعت بفعلها من خلال استخدام الإخوان المسلمين، كانت الجماعة تواجه سخطاً شعبياً متصاعداً. فبعد أن أصبحت الواجهة السياسية الرئيسية للسلطة، وبات مطلوباً منها التعامل مع الأزمات البنيوية التي خلّفتها السلطة السابقة، فعلت ذلك وفق مسار وخيارات سياسية محددة تبنتها بنفسها.
وكان من أبرز هذه الخيارات توفير الحماية للمجلس العسكري، وقبولها بالتنازل عن أجزاء فعلية من السلطة لصالحه ولصالح المؤسسات الأمنية التابعة له، إلى جانب تبنيها سياسات اقتصاد السوق النيوليبرالية، التي كانت تعبر عن توجهها الاقتصادي، وهو ما دفعها إلى السير على خطى السلطة السابقة في طرح برامج التقشف والسعي إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بدلاً من الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي كانت قد دفعت ملايين المصريين إلى الثورة.
ساهم ذلك في تصاعد التعبئة ضد الجماعة، لكونها كانت، ظاهرياً، تتصدر مشهد السلطة، بينما كان الضباط يحتفظون بالسلطة الفعلية بين أيديهم. وقد أتاح لهم ذلك وضع المزيد من العراقيل في طريقها، وتعميق أزماتها، وزيادة تعثرها أمام الجماهير.
لكن أزمة الجماعة لم تكن نتاجاً لمناورات خصومها وحدها. فإلى جانب ذلك، اتسم خطابها بقدر كبير من الرجعية والطائفية، وانحيازها الواضح إلى الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي، كما سبق أن أشرنا، الأمر الذي أدى تدريجياً إلى توسيع دائرة خصومها واستعداء قطاعات متزايدة من القوى الاجتماعية والسياسية بحلول نهاية عام 2012.
غير أن تراجع شعبية الإخوان المسلمين، واتساع السخط الجماهيري ضدهم، لم يكن وحده ما قاد إلى الانقلاب. فالانقلاب لم يبدأ يوم تحركت الدبابات في الشوارع أو أُذيع البيان العسكري، بل بدأ قبل ذلك بكثير، عبر سلسلة من الخطوات السياسية والمؤسسية التي مهّدت له تدريجياً. وفي تقديري، لم تكن تلك الخطوات مجرد رد فعل على تطورات الأحداث، بل جاءت في إطار استراتيجية أوسع ورثها المجلس العسكري عن نظام حسني مبارك، ووضعها موضع التنفيذ بعد سقوطه. وكيف جرى تنفيذ هذه الاستراتيجية خطوةً بعد أخرى، هو ما سنتناوله في الجزء الثاني.

