02-09-2026
يسقط يسقط حكم العسكر
بعد أربعة وسبعين عامًا من حكم الضباط، انتقلنا من الادعاء بأن «الشعب غير جاهز للديمقراطية» إلى اتهام الشعب بأنه لا يفهم «الإنجازات». تتغير الكلمات، ويزيد مقدار الوقاحة التي يتسم بها نظام الضباط بما يتناسب مع الزيادة الهائلة في مقدار القمع الذي صبّه فوق رؤوس المواطنين على مدار الأعوام الثلاثة عشر الماضية، لكن يظل الجوهر واحدًا: الشعب هو المشكلة، لا السلطة، وبالطبع ليس الضباط ولا حكمهم الاستبدادي الذي يصادر الأدوات السياسية ويحتكر السلطة؛ الشعب غير جاهز، الشعب غير واعٍ، الشعب لا يفهم، ولذلك يحتاج دائمًا إلى ضابط يحكمه، ويقرر نيابة عنه، ثم يشرح له لماذا عليه أن يقبل بما قرره.
لكن خطاب السيسي الأخير في ذكرى المولد النبوي ذهب بهذه الحالة إلى درجة متقدمة من الإنكار. فبعد أكثر من 13 عامًا من حكمه، وبعد التدهور الحاد في مستوى معيشة ملايين المصريين، وارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول والمدخرات، واتساع الفقر، وتراكم الديون، وبيع أصول الدولة، وتراجع الخدمات، يأتي رأس السلطة ليخبر المصريين أن المشكلة ليست في الواقع الذي يعيشونه، وإنما في أنهم لم يفهموا بعد حجم «الإنجازات» التي تحققت لمصلحتهم! يا لها من وقاحة!
المصريون لا يحتاجون إلى من يشرح لهم حياتهم. الجائع لا يحتاج إلى مؤتمر ليعرف أنه جائع، والعامل لا يحتاج إلى بريزنتيشن ليكتشف أن أجره لم يعد يكفي أسرته، والأب والأم لا يحتاجان إلى نشرة أخبار لتخبرهما بما تستطيع دخول أسرتهما شراءه، والشاب الذي لا يجد عملًا ولا سكنًا ولا مستقبلًا لا يحتاج إلى خبراء علاقات عامة ليقنعوه بأنه يعيش عصر الإنجازات.
ومع ذلك، يبشرنا السيسي بمؤتمر جديد في أكتوبر لشرح «الإنجازات» للمصريين، وكأن الأزمة نقص في الدعاية! يمكنكم أن تعقدوا مؤتمرًا أو مائة مؤتمر، وأن تنتجوا ألف فيلم دعائي، وأن تملأوا الشاشات بالخبراء والمذيعين والمصفقين، وأن تحولوا كل نشرة أخبار إلى احتفال جديد بـ«الإنجازات»؛ لكنكم لن تستطيعوا بالدعاية توفير رغيف الخبز للبطون الجائعة، أو رفع أجور لم تعد تكفي لتوفير الحد الأدنى للعيش الآدمي، أو سداد ديون أغرقتم البلاد بها، أو استعادة أصل جرى بيعه، أو منح شاب مستقبلًا، أو إقناع شعب بكامله تدهورت حياته طوال سنوات بأن ما يعيشه مجرد سوء فهم.
هذه ليست أزمة تواصل بين السلطة والشعب، وليست مشكلة في «وعي المواطنين». هذه أزمة نظام كامل يعيش داخل فقاعة من الأكاذيب، وسوف يحين الوقت الذي تنفجر فيه تلك الفقاعة بفعل الغضب الشعبي الذي تراكمه السلطة يومًا بعد الآخر.
لقد حكم الضباط مصر أربعة وسبعين عامًا وهم يطلبون من الشعب الانتظار. انتظروا حتى يصبح الشعب جاهزًا للديمقراطية، انتظروا حتى نخرج من عنق الزجاجة، انتظروا حتى تنتهي المرحلة الانتقالية، انتظروا حتى تستقر الدولة، انتظروا حتى تنتهي الحرب على الإرهاب، انتظروا ثمار الإصلاح الاقتصادي، والآن: انتظروا حتى نشرح لكم الإنجازات التي لا تشعرون بها!
لسنا بحاجة إلى مؤتمر يشرح لنا «إنجازات» حكم العسكر الوهمية، بل إلى ثورة شعبية تنهي حكم العسكر نفسه. والثورة القادمة لن تحتاج إلى مؤتمر لشرح أسبابها. أسبابها موجودة بالفعل في بيوت المصريين، وفي دخولهم المتدنية، وفي ديونهم، وفي فقرهم، وفي قهرهم، وفي كل يوم يعيشونه تحت وطأة هذا النظام الفاجر.
إننا في تيار الثورة الاشتراكية نتوجه إلى كل من سئم هذه الأكاذيب، وإلى كل من أدرك أنه لا إصلاح يُرجى من هذا النظام، وأن الانسداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي صنعته هذه السلطة وتعمّقه كل يوم يدفع بلادنا نحو انفجار ثوري جديد: ضعوا أيديكم في أيدينا، وانتظموا معنا كي نقرأ ونتعلم من تجارب انتفاضات وثورات شعبنا السابقة، من انتصاراتها وهزائمها وأخطائها، وكي نناضل وسط الجماهير ومن أجل مصالحها؛ حتى نبني من التنظيم والقوة ما يمكّننا من أن نصل بثورتنا القادمة إلى الانتصار، بإنهاء الحكم العسكري للضباط، وبناء مجتمع جديد حر وعادل وديمقراطي، يكون فيه الشعب صاحب السلطة والثروة، ويكون لكل إنسان فيه الحق في التعبير عن نفسه والمشاركة في تقرير مصيره ومستقبل بلاده.
يسقط يسقط حكم العسكر.
كن مع الثورة… فالثورة قادمة
تيار الثورة الاشتراكية
2 سبتمبر 2026

