مجزرة رابعة وتأسيس إرهاب دولة السيسي

14-08-2026

بقلم: حسن مصطفى

شكَّل فضّ اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة، والمظاهرات في ميادين أخرى بالقاهرة والمحافظات، يوم 14 أغسطس 2013، لحظة تأسيسية لنظام عبد الفتاح السيسي الصاعد حينها. كانت تلك اللحظة التعبير الأوضح عن استخدام مفرط للعنف والقوة المميتة من قِبل قوات الشرطة والجيش ضد المعتصمين والمتظاهرين المدنيين – وهم يظلون مدنيين حتى لو حاز بعضهم أسلحة خفيفة – ما أسفر عن مجازر، قُتل فيها، في رابعة والنهضة وحدهما، نحو ألف شخص، بحسب منظمة «هيومن رايتس ووتش». هذا بخلاف ضحايا مجزرتي المنصة والحرس الجمهوري قبل الفض، أو من سقطوا بعده في عدد من الميادين والمحافظات، ودون احتساب أعداد المعتقلين الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام أو السجن المؤبد والمشدد لمدد مختلفة. 

وكما هي الحال في كل اللحظات التأسيسية في تاريخ الشعوب، يتحكّم الفاعل السياسي في صياغة صورة تلك اللحظة بما يناسب الرواية التي يريد ترسيخها في أذهان الجمهور. هنا كان الفاعل الرئيسي هو الجنرال السيسي ودائرته الأمنية الضيقة. ورغم مشاركة أحزاب جبهة الإنقاذ وقادتها، من محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى، إلى جانب حركة «تمرد»، في تلك المرحلة، فإن مواقفهم وردود أفعالهم بعد المجزرة تراوحت بين الانسحاب والتبرؤ والاستنكار، والاستمرار في المشاركة لفترة على أمل تحقيق مكاسب، وصولًا إلى مواصلة المشاركة وجني مكاسب فعلية حتى اليوم.

لكن بقيت الفاعلية الحقيقية والقدرة على توجيه الأحداث عبر أدوات الدولة في يد السيسي وحده، ما مكّنه من استثمار مشاركة جميع الأطراف في تلك المرحلة ودفع حالة الغضب وخيبة الأمل – الناتجتين عن سياسات جماعة الإخوان المسلمين الرجعية والطائفية، وتحالفها السابق مع المجلس العسكري بعد الإطاحة بحسني مبارك – إلى أقصى مدى، بالشكل الذي يسمح له بإنجاز انقلابه والوصول إلى اللحظة التأسيسية التي أرادها، والتي صاغ تفاصيلها بعناية لتكون أساسًا لعملية هيمنة وإخضاع جديد للمجتمع بأسره.

أما الأطراف الأخرى، فتحركت آنذاك في إطار ردود أفعال، سواء بشكل موجَّه من أجهزة الأمن، كما في حالة «تمرد»، أو بشكل انتهازي، كما في حالة أحزاب وقادة جبهة الإنقاذ، الذين ظنوا أن دعم انقلاب السيسي سيؤمّن لهم الطريق إلى السلطة (إذ عُيّن رئيس وزراء وخمسة وزراء من جبهة الإنقاذ في أول حكومة للانقلاب: حازم الببلاوي، وزياد بهاء الدين عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وكمال أبو عيطة عن حزب الكرامة، وحسام عيسى وأحمد البرعي عن حزب الدستور، ومنير فخري عبد النور عن حزب الوفد).

في النهاية، كان السيسي هو الوحيد الذي امتلك تصور وخطة واضحة يعمل بمقتضاها، ويسخر لتحقيقها آلة الدولة، بالشكل الذي مكنه من توظيف حركة باقي الأطراف والتأثير عليها لتحقيق هدفه، والوصول إلى لحظة تأسيسية لحكمة اختار أن تكون عنيفة ودموية إلى حد الإرهاب.

الصورة الذهنية التأسيسية: إما أن ترقص أو تصمت، وإما أن تُقتل أو تُسجن

كانت مشاهد العنف أثناء فضّ اعتصامي رابعة والنهضة تُبث مباشرة على شاشات التلفزيون الحكومي والخاص، بهدف ترسيخ صورة ذهنية كانت الدولة تعمل على خلقها في هذه الأثناء للحظة تأسيسية جديدة أمام أعين مواطنيها، وهي: جرافات عسكرية وقوات شرطة وجيش تكتسح كل من يقف أمامها، تقتل وتحرق وتعتقل بلا اعتبار لأي قواعد أو قوانين من أي نوع؛ بهدف إحداث صدمة في المجتمع عبر تلك المشاهد، تسمح بإعادة بناء وترميم صورة الدولة القمعية كلية الجبروت، التي تضررت كثيرًا جراء ثورة يناير 2011.

بهذه الطريقة، أُعيد تأسيس حكم قمعي إرهابي جديد بقيادة السيسي، عبر أكبر مجزرة وقعت في التاريخ المصري الحديث، لم تقتصر على رابعة والنهضة فقط، بل شملت مواقع أخرى، وما تلاها من مجازر بحق من خرجوا للتنديد بالانقلاب ورفض مجزرة رابعة، في القاهرة والكثير من المحافظات، وفي الجامعات.

قبل الفضّ بأسابيع، كان السيسي قد دعا المواطنين للخروج يوم 26 يوليو 2013، فيما سُمّي بـ«جمعة التفويض»، لإعطائه تفويضًا لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل. تحوّل هذا اليوم إلى مهرجان رقص على أنغام أغنية «تسلم الأيادي»، التي أُنتجت خصيصًا لدعم الجيش، بمشاركة 11 مغنيًا، في صورة أوبريت غنائي وفيديو كليب لإظهار الدعم لانقلاب الجيش، كجزء من البروباغندا السياسية. وفي الحقيقة، كان ذلك التفويض تدشينًا لعصر إرهاب السيسي، الذي افتُتحت فصوله بمجزرة رابعة.

عبرت جمعة التفويض، التي طغت عليها وصلات الرقص وشعارات الكراهية والتحريض، ورُفعت فيها صور السيسي التي وُزعت على نطاق واسع، عن ملمح آخر لتلك اللحظة التأسيسية: صورة المواطن الذي يرقص فرحًا للاحتفال بالانقلاب العسكري، ظنًّا منه، في تلك اللحظة تحديدًا، أنه جاء لتحقيق أهدافه وتطلعاته. وبالطبع، كان ذلك يحدث تحت تأثير آلة بروباغندا هائلة، ونخب سياسية انتهازية عفنة وصدئة حتى النخاع. 

لم يكن السيسي بحاجة إلى أكثر من ذلك لتدشين دولة الإرهاب التي يحكمها حتى اليوم. وستظل جمعة التفويض، في 26 يوليو 2013، آخر مشهد جماهيري واسع سُمح فيه للمواطنين بالمشاركة السياسية بإرادتهم الحرة في مصر. ومنذ ذلك اليوم، صار الرقص أحد أدوات النظام التي يستخدمها لإظهار «دعم شعبي» مفتعل، يُستدعى في كل مناسبة يحتاج فيها النظام إلى مشهد مؤيد، كما حدث في 15 أغسطس 2013، اليوم التالي للمجزرة، حين ظهرت فجأة نسوة يزغردن في ميدان رابعة أثناء تنظيف آثار الدماء والحرائق، مع وصلات ردح وشتم للإخوان، وحمد ومدح للسيسي.

هكذا استقرت الصورة الذهنية التي نجح النظام في تثبيتها، في صورة قدرة غير محدودة على استخدام العنف المفرط، وارتكاب أشد الأعمال وحشية وقسوة، من قتل وإخفاء قسري وتعذيب وسجن، تجاه أي مواطن أو مجموعة مواطنين، بذريعة انتمائهم للفئة التي رأيتها بعينك تُقتل وتُحرق في اللحظة التأسيسية التي بُثّت لك على التلفزيون، حتى تترسخ في ذهنك صورة الحكم الجديد. أما في المقابل، فهناك مجموعات أخرى من المواطنين يستطيع النظام حشدها متى شاء، عبر شبكات المصالح والزبائنية السياسية، لخلق مشاهد من الرقص فوق جثة الوطن والمواطن، كلما احتاج إلى وصلة رقص لتمرير ما يرغب فيه لاستمرار حكمه.

هكذا تنحصر الخيارات السياسية أمامك كمواطن: إما أن ترقص أو تصمت، وإما أن تُقتل أو تُسجن. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا لم يكن هذا هو إرهاب الدولة، فماذا يكون؟

إرهاب دولة السيسي

لا يوجد تعريف قانوني واحد محدد للإرهاب، لأن الدول تعرّفه بالطريقة التي تناسب مصالحها ومصالح حلفائها، وبالشكل الذي لا يوقعها في إشكالات قانونية. فمثلًا، يعرّف أحد التعريفات الرسمية الأمريكية الإرهاب بأنه: «عنف مخطط له مسبقًا، ومدفوع بدوافع سياسية، يُرتكب ضد أهداف غير مقاتلة بواسطة جماعات دون وطنية أو عملاء سريين». وجملة «بواسطة جماعات دون وطنية» تعني أن التعريف يشترط أن يكون هذا العنف صادرًا عن جهات من غير الحكومات؛ لأنه لو شمل الحكومات، لاعتُبرت بعض أعمال الولايات المتحدة العدائية، وأعمال حلفائها مثل الاحتلال الإسرائيلي والنظام المصري، إرهابًا وفق التعريف الأمريكي ذاته.

سوف نأخذ بالتعريف العام المبسط للإرهاب، وهو: «استخدام العنف أو التهديد به لخدمة أهداف سياسية». أليس هذا تحديدًا ما حدث في رابعة؟ استخدام عنف مفرط، مع الاستمرار في تصعيده كلما احتاج النظام إلى ذلك، وتهديد باقي المجتمع بهذا العنف، والاحتفاظ بضحايا رابعة المعتقلين في السجون حتى اليوم، إلى جانب عشرات الآلاف غيرهم، للتأكيد على النهج الإرهابي واستمرار إخضاع المجتمع للتهديد الدائم.

الإرهاب يظل إرهابًا، سواء كان صادرًا عن تنظيم القاعدة أو داعش أو بوكو حرام، أو عن الاحتلال الإسرائيلي، أو عن النظام المصري. والصيغة التي يحكم بها نظام السيسي منذ 2013 وحتى اليوم هي صيغة إرهاب الدولة، التي يستمد منها قدرته على الاستمرار. وإذا كنت مخطئًا أو مبالغًا أو «متطرفًا» في هذا الوصف، فليخبرني أحد عن شكل الشرعية التي يستند إليها نظام السيسي اليوم: هل هي شرعية دستورية؟ قطعًا لا؛ فالدستور المصري حوّله السيسي إلى ممسحة لأحذيته، يعدّله كلما أراد، ومن يحتج يُسجن، ويُحشد مواطنون للرقص في استفتاءات التعديل. ففي 2019، عُدّل الدستور بما يسمح للسيسي بالبقاء في الحكم حتى عام 2030، والآن بدأت بالفعل مطالبات من شخصيات وأحزاب محسوبة على النظام بتعديله مرة أخرى، بما يسمح للسيسي بالاستمرار في الحكم إلى ما بعد 2030.

إذن، لا شرعية دستورية. فهل هي شرعية قانونية؟ بالتأكيد لا؛ فدولة لا تحترم الدستور – وهو قانون القوانين – لن تحترم سواه. فعن أي شرعية نتحدث إذن؟

شرعية ثورية؟ نعم، هي بالفعل شرعية ثورية، لكن للثورة المضادة ذات المضمون الطبقي، ولسُلطة الضباط المطلقة التي يقودها الديكتاتور السيسي. وهذا تحديدًا ما أعنيه بإرهاب الدولة لتحقيق أهداف سياسية تتمثل في استدامة حكم الضباط.

لقد كانت ثورة يناير 2011 بمثابة شهادة وفاة لشرعية حكم ضباط يوليو 1952، فاحتاج السيسي إلى صيغة أكثر عنفًا بكثير، تستطيع أن تؤمّن شرعية لسلطة جديدة تأسست على أرضية انقلاب عسكري صادر جميع الحقوق السياسية والقانونية التي اكتسبها المواطنون المصريون عبر نضالهم قبل ثورة يناير وبعدها. فكانت صيغة إرهاب الدولة هي الصيغة الوحيدة المناسبة لذلك.

إن وصف حكم السيسي بأنه «حكم إرهاب الدولة» ليس وصفًا متطرفًا، بل إن حكم إرهاب الدولة، الذي راح ضحيته حتى الآن آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من المعتقلين والمعذَّبين والمختفين، والذي يستمر عبر ترويع المواطنين وتخويفهم، هو التطرف بعينه.

كما أن طمس هذه الحقيقة، والتماهي مع رواية النظام باعتبار أن ما حدث كان «فتنة»، وأنه أصبح جزءًا من الماضي الذي يجب أن نتركه خلفنا، كما تفعل بعض قطاعات النخبة المصرية وبعض النشطاء، ليس سوى تدليس وكذب ومماشاة للطرف الأقوى؛ لأن ما حدث في رابعة يوم 14 أغسطس 2013 ما زال يحكم واقعنا، ونجاح السيسي حتى اليوم في فرض سرديته على المجتمع هو أكبر دليل على قوة القبضة الإرهابية للنظام الحاكم. 

هذه ليست دعوة لمواجهة إرهاب الدولة بإرهاب مضاد، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات؛ لأن النظام الإرهابي الذي يحكمنا سيكون قادرًا دائمًا على توظيف الإرهاب الفردي والجماعي لتشديد قبضته أكثر على المجتمع. لكنها دعوة لوقف طمس حقيقة النظام الذي يحكمنا بالإرهاب. دعوة كي نصطف في مواجهته، حتى نتمكن من إسقاطه.