04-08-2026
بقلم: رفعت عبد الظاهر
في ظل أجواء القمع المستمر الذي يشهده وطننا، ومنع النشر، وغلق الأفواه، وعدم الاكتراث بالإجابة على تساؤلات الرأي العام، وحقنا في طرح التساؤلات على قيادتنا السياسية والعسكرية، ولأن ذلك في وطننا قد يُحسب على أنه أفكار إيثارية، وربما انضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وذلك قد يستوجب الاعتقال والعرض على نيابة أمن الدولة؛ مع ذلك، سأحاول أن أطرح تساؤلات تدور في عقلي، وأعتقد أنها تدور في عقول كثير من المواطنين، لكن يحجبها الخوف عن أن تصدح بصوت مرتفع، وأن تتحول إلى فعل سياسي في مواجهة التوجيه الحكومي وممثليه من أحزاب الموالاة، والموالاة بشرطة في صورة معارضة، كأحزاب العدل والتجمع والمصري الديمقراطي والكرامة، وكثير من الساسة ممن يصدرون أنفسهم في صورة معارضين، وهم يتشاركون في ممارسة الهيمنة لصالح النظام، عبر طرح الاصطفاف الوطني مع الدولة كخيار وحيد لا بديل عنه، ما يسهل على السلطة عزف أنشودة الوطنية الجوفاء، ومنع طرح التساؤلات المهمة التي ظهرت كنتيجة لحالة الانكشاف السياسي والعسكري التي كشفتها المسيّرة.
منذ 13 عامًا ونحن نسمع عن صفقات سلاح مليارية، وتحديث لمنظومات الجيش، ودولة باتت تمتلك “الدرع والسيف”، ودفاعات جوية متعددة الطبقات، قادرة على حماية سماء الوطن. وثمن ذلك اقتطاعات أُخذت من قوت الغلابة ومستقبلهم، بحجة واحدة لا ثاني لها: “احنا بنبني قوة تردع أي حد يفكر يقرب من مصر”. استحملنا الغلاء، وانهيار الجنيه، والديون الطاحنة، وفرض التقشف، تحت يافطة “الأمن القومي خط أحمر”، وخطابات رنانة تُحمّل ثورة يناير سبب آلام المصريين والتدهور الاقتصادي.
فجأة.. تهاجم مسيّرة ميناء دمياط، وتصيب هدفها بدقة، وبعد أن فاقت الحكومة من ثباتها العميق، الذي استغرق يومًا كاملًا كانت تنفي خلاله هجوم المسيّرة، وتعلن أن الحريق بسبب حادث عارض، خرج علينا في اليوم التالي كامل الوزير، وزير النقل والصناعة ونائب رئيس الوزراء، ليقول لنا بكل بساطة: “الحمد لله ربنا ستر، والسيطرة تمت، والحمد لله المسيّرة جت في الماسورة والجزء العلوي من السفينة، وما أصابتش الحمولة!”.
لحظة واحدة.. هو ده الردع اللي صدعتونا بيه؟
أين ذهبت مليارات الإنفاق العسكري؟ فين شبكات الإنذار المبكر والرادارات اللي اتوجعت دماغنا بيهم؟
لما الإعلام يتلقى أوامر صريحة بمنع الكلام في أي ملف عسكري بخصوص قضية المسيّرة، ومنع السؤال عن: “إزاي ده حصل؟”، وبس مسموح بنشر الإدانات والبيانات السياسية الصادرة عن الدولة.. تعرف إن الهدف مش حماية الحقيقة، الهدف هو حماية “الهيبة الزائفة للدولة”.
إذا كانت كل هذه المليارات لم تحمِ ميناءً استراتيجيًا في عمق مصر، وإذا كانت النتيجة هي اقتصادًا منهكًا، وتبعيةً مطلقة، وأمنًا مخترقًا، فبأي عين يخرج علينا اليوم من يطالب بتعديل الدستور لفتح مدد الحكم للرئيس إلى ما بعد 2030؟
تعديل الدستور للبقاء في السلطة للرئيس… على أي أساس؟
على أساس استمرار مشروع الفشل في حماية حدودنا وسمائنا؟
أم على أساس مكافأة مَن باع واستحوذ على ثروات البلاد، واستغلها في صفقات اتضح عند أول اختبار عملي إنها للاستهلاك المحلي والاستعراض الإعلامي فقط؟
أم لترسيخ نموذج يبيع الوهم للمواطن، والاستمرار في قمعه والزج به في السجون إذا تجرأ وتساءل؟
اللي حصل في دمياط مش مجرد حريق في سفينة، ده إنذار بيكشف إن مشروع التبعية والاستبداد لا يحمي حدودًا، ولا يبني اقتصادًا، ولا يصون كرامة، وبيأكد إن القيادة السياسية التي فشلت في حماية سماء الوطن، وفشلت في صون لقمة عيش مواطنيها، والآن تطلب لنفسها “الخلود السياسي” وتعديل الدستور، هي قيادة لا تستحق سوى المطالبة العاجلة بعزلها ومحاكمتها.
إن خروج الجيش من المشهد السياسي ومن الاقتصاد، وإعادة هيكلته، أصبحت ضرورة وطنية ملحة؛ فقد أثبتت مسيّرة دمياط أن هذا النظام وجيشه لا يمارسان سوى دور واحد بارعين فيه، وهو حماية مصالحهما الخاصة وخزائن أموالهما غير الخاضعة لأي رقابة أو مساءلة، وحماية أركان حكم السيسي بتصويب السلاح في وجه شعبه وتخويفه.
لا لتعديل الدستور.
السيسي نصاب.

