02-08-2026
بقلم: مصطفى سامح
يوم احترقت القاهرة
في السادس والعشرين من يناير سنة 1952 خرجت القاهرة عن طورها. أحرق الناس في يوم واحد ما يقرب من سبعمائة وخمسين مبنى، من فنادق ودور سينما ومحال كبرى وبارات ونواد، وسار الحريق في أنحاء العاصمة. كان ذلك أعنف انفجار شعبي عرفته المدينة في تاريخها الحديث، وكان محملًا بغضب حقيقي مشروع تراكم على مدى سبعين سنة من الاحتلال، وشهور من قتال الفدائيين في القنال وحادثة الإسماعيلية قبلها بيوم واحد.
وبعد ستة أشهر بالتمام، في الثالث والعشرين من يوليو، استولى على البلاد تسعون ضابطًا لم ينتخبهم أحد ولم يشاركوا في الحريق ولم يكونوا في الشارع أصلًا.
هذه الحكاية باختصار هي كل ما يحتاج المصري أن يعرفه عن العلاقة بين الغضب والسلطة. الغضب لا يورث لصاحبه. الغضب يقع على الأرض كثمرة ناضجة، فيلتقطه من كان واقفا تحت الشجرة ومعه سلة. وفي كل مرة من 74 عامًا كان هناك من يقف تحت الشجرة ومعه سلة، ولم يكن هو نحن.
وما يلي محاولة لفهم لماذا…
أولًا: الشق قبل الضغط
يقولون إن الثورة ضغط هائل يفضي إلى تغيير مفاجئ. تعريف صحيح بالفعل لكنه أعرج، لأنه يصف الانفجار ويسكت عن شرطه وهو أن الضغط لا يكسر إلا جدارًا فيه شق.
ولننظر في تاريخنا نحن، فهو أوفر من أن نستعير.
أحمد عرابي لم يخرج على الخديوي توفيق في فراغ. خرج وقد كانت الخزانة قد أفلست سنة 1876 وصندوق الدين قد فرض على مصر وصاية مالية أوروبية، ووالده الخديوي إسماعيل قد خلع بأمر خارجي، وضباط الجيش من أبناء الفلاحين قد وجدوا سقفا في الترقي لا يتجاوزه إلا الشراكسة، وثلثهم مهدد بالتسريح لتوفير أقساط الدين. الشق كان مفتوحا في جسد الدولة قبل أن يقف عرابي أمام قصر عابدين. ثم عندما جاءت اللحظة الفاصلة اتضح أن العرابيين يملكون الغضب والجيش ولا يملكون تصورًا لإدارة دولة ولا خطة لمواجهة أسطول، فانتهى الأمر عند التل الكبير ودخل الإنجليز فبقوا اثنتين وسبعين سنة.
وثورة 1919 لم تنفجر لأن سعد زغلول نفى، وإنما انفجرت لأن الحرب الكبرى كانت قد خلفت خلفها ريفًا مسحوقًا، سخرة في فيلق العمل، ومواش صودرت، وقطن أخذ بأسعار الدولة، وإمبراطورية بريطانية خرجت من الحرب منهكة ماليًا وعسكريًا وغير قادرة على أن تحكم بالكلفة القديمة. الشق كان هناك، والنفي أشعل عود الثقاب فقط.
ويوليو 1952 لم تكن ثورة شعبية أصلًا. كانت انقلابًا نجح لأن الشق كان قد اتسع حتى صار هوة، هزيمة 1948 وفضيحة الأسلحة الفاسدة، وقصر فقد آخر ما تبقى له من هيبة، وأحزاب استنفدت شرعيتها في ثلاثين حكومة، وسفارة بريطانيا لم تعد تريد أن تدفع، وقاهرة محترقة أثبتت أن الدولة لم تعد تسيطر على شارعها.
وفي يناير 2011 وهنا بيت القصيد، كان الشق موجودًا قبل أن ينزل أحد. نظام شاخ وشاخت أدواته، ومشروع توريث رفضته مؤسسات النظام قبل أن يرفضه الناس، وجهاز أمني منتفخ ومطمئن إلى هيبته إلى حد الترهل، ونخبة حاكمة ضيقة يمكن رسم خريطتها في صفحة واحدة ومعرفة أفرادها بالاسم، وضباط أصغر سنًا لم يكونوا يرون في بقاء ذلك الترتيب مصلحة لهم.
الجموع لم تصنع ذلك الشق، عثرت عليه. وبين أن تصنع وأن تعثر يقع الفارق كله، بين ثورة، وبين احتجاج هائل انتهى إلى مقايضة أدارها من كانوا داخل الجدار لا من وقفوا أمامه.
واليوم جدار السلطة مصمت. ومن يخطط لسنة 2026 بقواعد 2011 لا يخطط لتغيير، وإنما يحدد موعدًا لجنازة لا يعرف بعد عدد امواتها.
ثانيًا: من قرأ الدرس ومن حفظ الأغنية
جرت العادة أن يستوعب المنتصر درس معركته في اليوم التالي، ويستوعبه المهزوم بعد قرابة العقد ونصف إن استوعبه. والأنظمة في بلادنا تتعلم بجدية تحسدها عليها المعارضة. بعد انتفاضة يناير 1977 التي سماها الخائن أنور السادات انتفاضة الحرامية وقتل فيها ما لا يقل عن تسعة وسبعين مصريًا في يومين، تعلمت الدولة المصرية درسًا ما زالت تطبقه إلى اليوم، أن رفع الأسعار دفعة واحدة يشعل البلد، أما رفعها في اثنتي عشرة دفعة صغيرة على مدى عامين فيمر بلا صوت. لم تلغي الدولة السياسة، غيرت جدول التوقيت. وبعد يناير 2011 قرأ عبد الفتاح السيسي تلك الأيام الثمانية عشر قراءة تفصيلية باردة، وهو الذي كان في قلب المشهد من أوله بوصفه مدير المخابرات الحربية يومها، وعضوًا في المجلس العسكري الذي أدار المرحلة. فهم أن الحشد يبدأ رقميا، فأحكمت القبضة على الفضاء الرقمي حتى صار الهاتف نفسه محضر ضبط. وفهم أن الحشد يحتاج إلى جسد مكاني، إلى ميدان يمكن الوقوف فيه ويصعب إخلاؤه، فأُعيدت هندسة العاصمة وشقت الطرق ونقلت مراكز الحكم إلى صحراء لا يبلغها أحد سيرًا على الأقدام. وفهم أن مقتل النظام كان في تردد الساعات الأولى، فحسم أمره سلفا بألا يتردد. وقد أثبت ذلك عمليًا في الرابع عشر من أغسطس 2013، وفهم أن حياد المؤسسة يوم 28 يناير 2011 كان قرارًا لا قدرًا، فأعاد ترتيب أوضاعها حتى لا يبقى فيها من يملك ترف الحياد.
أما نحن فحفظنا الأغنية. صرنا نعيد إنتاج اللحظة بوصفها ذكرى لا بوصفها درسا، الصورة من الزاوية العالية، والهتاف، واليافطة المكتوبة بخط اليد، والحنين إلى ثمانية عشر يومًا كأنها وصفة تستنسخ. ويناير لم يكن وصفة، كان اختراعًا لحظيًا في ظرف لن يتكرر بشروطه. وتحويله إلى منهج هو أسوأ ما فعلته المعارضة المصرية بنفسها، لأنه جعل الذاكرة عائقا، صار كل جهد يقاس بمدى شبهه بيناير، لا بأثره.
ثالثًا: النظام ليس رجلا، النظام طبقة
ولنبدأ من الرجل نفسه قبل أن نتجاوزه. عبد الفتاح السيسي قاتل وخائن ويجب أن يقال ذلك بلا لف. متهم بأنه كان المسؤول الأعلى عن قوات الأمن في كل المجازر التي ارتكبتها من 3 يوليو 2013 إلى يومنا هذا. ومتهم بأن أجهزته تأخذ الناس من بيوتهم فتخفيهم شهورًا لا يعرف أهلهم أحياء هم أم أموات، وبأنه حول الحبس إلى عقوبة بلا حكم لعشرات الآلاف، وبأنه عدّل الدستور سنة 2019 ليمدد لنفسه حتى 2030 ويكتب وصاية الجيش على الحكم في متن الوثيقة، وبأنه أغرق البلد في دين خارجي تضاعف في عهده أضعافا، وأنفق ما لم يكن معه على عاصمة إدارية وقصور وطرق سريعة، ثم طلب من الناس أن يتحملوا لأن مصر على حد قوله فقيرة قوي. هذا كله صحيح. لكن من يقف عند هذا الحد لم يفهم شيئا، لأنه يظن أن في مصر رجلًا يمسك بالبلد فيكفي أن يزول فتزول المنظومة.
الحقيقة أن في مصر تحالف مصالح مادي، له عناوين ومرتبات وأصول موروثة، وله من الأسباب ما يجعله يقاتل حتى النهاية. ولن يقاتل دفاعًا عن فكرة ولا عن شخص، بل عن عقار وعقد وترقية ومدرسة أبنائه. وأول من يعرف هذا هو السيسي نفسه، ولهذا أمضى عشر سنين لا يبني شعبية، بل يبني شركاء.
ضابط الجيش وأسرته. الجيش في مصر ليس مؤسسة تحمي اقتصادًا، هو اقتصاد يحمي نفسه بالسلاح. أراض تنتقل بقرار، ومقاولات بلا مناقصة، ومصانع بلا ضريبة ولا رقابة ولا ميزانية منشورة، ومنافذ بيع ومحطات وقود وموانئ، وعقود يعرف كل مقاول مدني في هذا البلد أنه يدخلها من الباب الخلفي إن دخلها. وحول هذا الاقتصاد بنيت دولة رعاية موازية، إسكان ونواد ومستشفيات ومصايف ومعاشات ومدارس، بينما ينتظر المصري العادي دوره واقفًا في طابور مستشفى حكومي.
وإذا أردت وجهًا لهذه العملية فخذ الفريق كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة من 2015 إلى 2019 أي الجهاز الذي نفذ أضخم مشروعات الدولة في تلك السنوات، ثم وزيرًا للنقل بعد كارثة قطارات، ثم نائبًا لرئيس الوزراء يجمع بين النقل والصناعة. لم ينتقل الرجل من العسكرية إلى المدنية، بل انتقل معه الجهاز كله. هذا هو الترتيب في أنقى صوره، أن تدار المقاولة ثم تدار الوزارة التي ترسي المقاولة.
الضابط لا يعيش في مصر إذن، يعيش في نسخة أرقى منها، وأولاده يرثون تلك المواطنة الأرقى لا الرتبة وحدها. وحين يخرج إلى المعاش لا يخرج إلى فراغ بل إلى منصب، محافظ أو رئيس هيئة أو عضو مجلس إدارة. هذه ليست وظيفة تؤدى مقابل أجر، هذه طبقة قائمة بذاتها لها نمط حياة وشبكة مصاهرة وذاكرة امتياز تمتد جيلين. ومن يطالبها بالتنحي إنما يطالبها بالنزول من الطابق العلوي إلى شارع احتقرته أربعين سنة. ولن تنزل بالإقناع، ولا بمقال.
المقاول الذي يحمل السلاح. وأوضح نموذج لهذا التزاوج بين البندقية والعقد هو إبراهيم العرجاني. الرجل الذي بدأ من الطرف الآخر من الخريطة في سيناء، ثم صار رئيس مجلس إدارة مجموعة العرجاني القابضة، وشريكا في مشروعات مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة الهندسية، ورئيسًا لاتحاد القبائل العربية الذي أنشئ بمباركة الدولة، ورجل الدولة الأول في سيناء بلا منازع.
ثم جاءت حرب غزة فانكشف كل شيء. شركة هلا للخدمات السياحية، وقد أقر العرجاني نفسه بأنه شريك فيها وأن هناك جهات أخرى تملك بقية الأسهم، صارت البوابة الوحيدة لخروج الفلسطينيين من القطاع. خمسة آلاف دولار للبالغ وألفان وخمسمائة لمن دون السادسة عشرة، ولمن يستعجل عبر وسطاء غير رسميين ما بين ثمانية آلاف وخمسة عشر ألفا، وهذه الأرقام بناء على شهادات اصدقاء من غزة اعرفهم معرفة وطيدة. قائمة يومية بثلاثمئة اسم تنشر على فيسبوك، ومن وجد اسمه فعليه أن يقف عند البوابة في السابعة صباحًا وإلا سقط تسجيله ولم يسترد ماله. وقدرت أن الشركة حصلت نحو ثمانية وثمانين مليون دولار في شهور قليلة. وليست هذه سرقة فردية على هامش الدولة، هذه سياسة دولة أسندت إلى مقاول من الباطن كي يحصل بها ثمن مجاعة.
والصورة الأشهر للعرجاني هي صورته في مكتبه وإلى جوارها صورة السيسي. هذه ليست مصادفة تزيينية، هذه هو التنظيم الاجتماعي للنظام معروضا على الحائط.
البلطجي الذي صار رجل أعمال. وتحت طبقة المقاولين طبقة أخرى لا تقل أهمية، من كان في يناير 2011 يستأجر باليومية، فصار بعدها صاحب رخصة. وأصدق مثال هو صبري نخنوخ. رجل أعمال بحراس شخصيين وصفحة على فيسبوك ونمط حياة يعرض على الملأ.
والدرس هنا ليس في الرجل، بل في الآلية. البلطجي في مصر ليس خارجًا على النظام، البلطجي امتياز يمنح ويسحب. يطلق حين يكون نافعًا، ويقبض عليه حين يزعج مصلحة أكبر من مصلحته. والعفو الذي أخرجه لم يكن رحمة، كان تجديد ترخيص.
الداخلية. الجهاز الوحيد الذي يعرف يقينا أن سقوط النظام يعني محاكمته هو. ليس لديه ما يفاوض عليه، لأن أرشيفه هو حكمه بالإعدام. ومن أطلق النار في الشوارع، ومن أدار المقار، ومن طرق الأبواب عند الفجر فأخذ الرجال ولم يقل لأحد أين ذهبوا، يعرف أن التغيير بالنسبة إليه ليس تغيير سياسة بل بداية إجراءات جنائية. ولذلك لا تقاتل الشرطة في مصر بوصفها أداة سلطة، بل بوصفها طرفا له مصلحته المستقلة، وهذا يجعلها أشرس من صاحب القرار نفسه. أضف منظومتها الخاصة، أكاديميتها التي صارت وراثية في الممارسة، وإسكانها ومستشفياتها ومعاشاتها، وشبكة إتاواتها الممتدة من الرصيف إلى المحل إلى مخلص الميناء. أنت لا تواجه مئات الآلاف من الموظفين، تواجه مئات الآلاف من الأسر التي تعرف بالضبط ماذا ستخسر في اليوم التالي.
القضاء. لا تعمر ديكتاتورية لا تجد قاضيًا. هذه هي الحلقة التي بغيرها ينهار كل شيء، ولذلك هي الأثمن.
القاضي هو الذي يحول الاختفاء إلى ضبط وإحضار، والقتل إلى مقاومة سلطات، والحبس بلا تهمة إلى تجديد في جلسة والرأي إلى انضمام إلى جماعة. هو الذي يمنح ما جرى رقمًا ومحضرًا وتاريخًا، فيصير الفعل قانونًا بأثر رجعي، وتتحول الفضيحة إلى إجراء روتيني لا يستحق خبرًا. ومن دونه يصير القمع مكشوفًا، ومن ثم مكلفًا، ومن ثم قابلًا للانفجار في أي شهر.
وقد ثمن هذا الدور بدقة محاسب، ندب إلى الوزارات والهيئات ببدلات تفوق الأجر الأصلي، ونواد وأراض ومنح وقروض ميسرة، وتوريث فعلي للمهنة عبر شروط قبول واختبارات شفوية تصفي من ليس ابن أحد. ثم إذا شذ قاض واحد أو وقع على بيان، أُفرغ من عمله بقرار إداري ونسي اسمه في شهر. لا يعنيني القضاء هنا بوصفه شتيمة تلقى في الهواء، بل بوصفه صمام الأمان الذي يجعل القمع قابلًا للاستمرار عشرين سنة بلا انفجار أخلاقي يومي.
المنبر. ثم يأتي الجزء الذي لم يعد أحد يجادل فيه، أن الصحافة والفضائيات الخاصة في مصر جمعت جمعًا في أيدي شركة قابضة واحدة معروفة الارتباط بالجهاز السيادي، فصار خط التحرير قرارا إداريا يبلغ بالتليفون السامسونج. وحول هذه المنظومة طبقة جديدة من الوجوه الرقمية على الفيسبوك والتيك توك اكتشفت الدولة أنها أرخص في الشراء وأوسع أثرًا من صحيفة قومية بكاملها.
وخلاصة هذا كله في جملة، في عهد مبارك كانت الغنيمة في دائرة ضيقة، رجال أعمال وحفنة من قيادات حزب واحد، ولذلك كان عزلها ممكنًا. اليوم وزعت على شبكة عريضة بفضل هيمنة المؤسسة العسكرية على المجتمع، وتلك الشبكة تبدأ من الفريق في الوزارة ولا تنتهي عند البلطجي في التجمع، وكل من نال حصة صار حارسًا عليهًا. السيسي لا يحتاج إلى محبين، يكفيه من لديهم ما يخسرونه. والمؤمن قد يراجع إيمانه يومًا، أما صاحب المصلحة فلا يراجع حسابه إلا حين تنقلب الأرقام.
رابعا: قاعدة الخائفين
خلف تحالف المنتفعين قاعدة أوسع منه بكثير: قاعدة من لا ينالون شيئا ويخافون مما بعد. والدولة التي تنجح في تقديم نفسها ضامنا وحيدا ضد الفوضى تشتري ولاء كل من يخشى البديل، مجانا، دون أن تدفع له مليما. وهذه هي البضاعة الوحيدة التي أتقن السيسي بيعها: ليس ازدهارا ولا كرامة، بل أنه الحائل الأخير بينك وبين سوريا. القبطي في الصعيد الذي قرأ في السنوات التي أعقبت يناير تهديدا وجوديا لا خلافا سياسيا. والمرأة التي تعرف أن أول ثمن يُدفع في أي فراغ هو ثمن قوتها وحريتها في الشارع قبل أي شيء آخر. والموظف في طبقة وسطى منهكة يحسب بدقة كم تكلفة عقد من الاضطراب. وصاحب المحل الذي أغلق ثلاثة أشهر ولم يعوضه أحد. وشتم هؤلاء واتهامهم بالخيانة أكسل ما يمكن أن تفعله معارضة وأغباه، لأنه يوفر على النظام جهد إقناعهم. والسؤال الوحيد المفيد… ماذا قدمت لهم حتى يخاطروا معك؟
من يطلب من أسرة او عائلة أن تراهن بأمنها لا يكفيه أن يعدها بسقوط الخصم، عليه أن يعرض عليها ضمانة أوضح وأكثر تحديدًا مما تملكه الآن، مكتوبة وقابلة للمحاسبة. ونحن لم نقدم شيئًا من هذا القبيل قط، لا في وثيقة ولا في تحالف ولا في سلوك يومي. اكتفينا بافتراض أن الحرية بديهية. وهي ليست بديهية لمن يظن أن ثمنها رقبة ابنه.
خامسًا: الأسئلة التي لا يحب أحد سماعها
والآن إلى الطرف الآخر، من يدعو اليوم إلى حراك او ائتلاف ما يسمى بيوم الكرامة، هذه أسئلة لا تحتاج بلاغة ولا تقبل إجابات إنشائية:
ما برنامجك؟ لا ليس شعارك، برنامجك؟ ما موقفك من الدين الخارجي؟ تعيد جدولته أم تتوقف عن سداده وتتحمل النتائج؟ ما موقفك من الدعم؟ من سعر الصرف في الأسبوع الأول؟ من المؤسسة العسكرية في اليوم التالي؟ أتحاكمها أم تفاوضها أم تتظاهر بأنها غير موجودة؟ من اقتصادها تحديدًا؟ تؤممه أم تبيعه أم تجمده؟ ومن يدير الموانئ والممتلكات العامة في الشهر الذي يليه؟
ما ضمانتك للقبطي في المنيا، مكتوبة لا مرتجلة؟ وللمرأة التي ترى في أي فراغ سياسي واجتماعي خطرًا مباشرًا على حياتها وحياة أولادها؟ ولموظف تعرف أنت وهو أن راتبه مربوط بالدولة التي تدعو إلى إسقاطها؟
ثم إلى الملفات التي يهتف بها الجميع ولا يجيب عنها أحد.
إسرائيل أولًا. نظام يقدم نفسه سندًا للقضية الفلسطينية، ثم يربط كهرباء بيوتنا بالغاز الإسرائيلي الذي هو في الأساس غاز مصري بعقود تمتد عقودًا، فماذا أنت فاعل؟ أتلغي عقد الغاز؟ فبأي شيء تشغل المحطات في الصيف التالي، وبكم، ومن يقرضك الثمن؟ أتلغي المعاهدة؟ فقل ماذا يعني ذلك عمليًا ومن يتحمل الرد. أم تبقيها وتغير من بنودها؟
والنيل ثانيًا. السد قائم وممتلئ ومفتتح، وليس ثمة اتفاق ملزم على تشغيله، وهذا هو حصاد عقد من التفاوض ومن وعود متكررة بأن مياه مصر خط أحمر. فماذا تقترح أنت؟ حربًا بلا حدود مشتركة؟ فقل كلفتها ومن يخوضها. أم اتفاقًا؟ فقل بأي ورقة تفاوض بعد أن صار السد أمرًا واقعًا. أم إعادة هيكلة للري والزراعة في الداخل؟
وبالتبعية ثالثًا. نظام يعيش على معونة وودائع وقروض وبيع أصول لمن يدفع. صحيح أيضًا. لكن التبعية خطيئة لا يكفي التبرؤ منها، هي معادلة نقدية. فماذا تفعل في اليوم الذي ينقطع فيه كل ذلك، وقد ينقطع لمجرد أنك جئت؟ كيف يُسد عجز الموازنة؟ من لا يملك جوابًا مكتوبًا سيجد نفسه بعد ثلاثة أشهر جالسًا في المقعد نفسه أمام المقرضين أنفسهم يوقع على الشروط نفسها، ثم يخرج ليشرح أن الظروف قاهرة. وهذا بالضبط ما قاله كل من سبقه.
من معك من العمال المنظمين لا الغاضبين؟ من الفلاحين؟ من النقابات بصفتها كيانات لا بصفتها أفرادًا يوقعون بيانًا؟ ومن يقود؟ وما هي الأفكار التي ستقود من خلالها؟
وما خطتك للانشقاق؟ فهذه الأنظمة لا تسقط بالضغط من تحت وحده، تسقط حين ينقسم تحالفها الحاكم على نفسه، وحين يحسب طرف منه أن كلفة البقاء صارت أعلى من كلفة التخلي. فماذا تعرض على من قد ينشق؟ وماذا يرى حين ينظر إليك، سلطة جديدة محتملة أم غضبا مصوَرًا مثلما يحدث في دول اخرى في عصرنا الحالي؟
من لا يملك جوابًا واحدًا على هذه الأسئلة لا يملك مشروعًا، بل يملك حسابًا على منصة.
وهو يدعو الناس إلى الموت من حساب على منصة.
وهذا هو التوصيف الدقيق للعقد ونصف الماضيين، صفحات تطالب بالحرية لفلان وعلان، وبيانات تضامن، وهاشتاج يعيش أربعًا وعشرين ساعة ثم يبتلعه شيء آخر.
والحملة من أجل سجين واحد فعل نبيل يمارس لذاته ولا يحتاج تبريرًا ولا شك في ذلك، لكن الكارثة أن يؤخذ استراتيجية. الإغاثة تخفف الألم، والسياسة تغير موازين القوى. أمضينا ثلاثة عشر سنة نمارس الأولى ونسميها الثانية، ثم نتعجب أن شيئًا لم يتغير.
وثمة ما هو أخطر من ذلك. من يدعو اليوم إلى يوم غضب أو كرامة يعرف يقينًا أنه لن يكون عامل حاسم في التغيير، فليس في مصر مجال عام يقوم فيه شيء. هو إذن لا يدعو إلى احتجاج، وإنما يفتح كشفًا بالأسماء. ومن يستجيب له لا يشارك في فعل سياسي، وإنما يعطي عنوان بيته لمن يطرق الأبواب عند الفجر فيأخذ الرجل من بين أهله ولا يعرف له مكان شهورًا، ثم يظهر إن ظهر وقد كتب في الأوراق أنه ضبط أمس عند كمين، لا أنه أخذ من فراشه في العام الماضي. والفارق بين الاثنين أن الداعي يربح تحقيق ذاته، والمستجيب يخسر أربع سنوات لا يعرف أحد أين قضاها.
سادسًا: الجوع بوصفه سياسة
يقال إن هذه الشعوب لا تحتمل الثمن لأنها تربّت على عبودية لقمة العيش. عبارة قاسية فيها قدر من الصدق، لكن صياغتها الأدق أقل بلاغة وأكثر إفادة: من يعيش على حافة القدرة على إطعام أولاده لا يقرر بجبن، يقرر بحساب. والمخاطرة ترف طبقي لا يتاح إلا لمن يملك احتياطيا يعيش منه شهرا.
والدولة تعرف هذا جيدا. ولذلك لم يعد الاقتصاد عندها مجال إدارة بل أداة انضباط. التضخم الذي يستهلك يوم الإنسان كله في تدبير قوته ليس فشلا عارضا في السياسات، هو من حيث الأثر أفعل من قسم أمن كامل ولا يكلف رصاصة.
الجائع لا يتظاهر. الجائع يبحث. وتلك ليست إدانة له، بل إدانة لمن يطالبه بأن يجوع أكثر من أجل خطة غير موجودة، ثم يسميه خانعًا حين يرفض المشاركة في المجهول.
سابعًا: أين الشق إذن؟
كل ما سبق يصف جدارًا، ومن حق القارئ أن يسأل: وأين الشق؟
ليس حيث نبحث عنه عادة. ليس في الغضب، فالغضب وفير ولا ينقص أحدا، وهو بلا تنظيم ضجيج. الشق في ثلاثة مواضع:
الأول أن “تحالف الغنيمة” عريض لكنه ضحل. وتوسيع دائرة المستفيدين قوة وهشاشة في آن: القوة أن الحراس كثر، والهشاشة أن الحصص صارت أصغر، وأن أي أزمة سيولة تعني أن أحدا سيدفع الثمن قبل غيره. والتحالفات القائمة على التوزيع تتصدع من الداخل حين يقل الموزع، لا حين يزيد الضغط الخارجي. والشرخ يبدأ عادة بين المستفيد الكبير والمستفيد الصغير، وبين الجيل الذي أخذ نصيبه والجيل الذي وجد الطاولة خالية. وما جرى لنخنوخ درس في هذا، التحالف يأكل أطرافه حين تضيق الموائد.
الثاني أن اقتصادًا مبنيًا على الاستدانة والريع الخارجي لا يملك سيادة على توقيته. القرار في لحظات كهذه ينتقل جزئيًا إلى دائنين وشركاء، وهي لحظات تنفتح فيها هوامش لم تكن مفتوحة، ويُطلب فيها من النظام أن يفعل ما يعرف أنه سيؤلم قاعدته.
الثالث أن الشرعية القائمة على وعد الاستقرار تُحاسب على الاستقرار وحده. من يقول للناس إني بديلكم عن الفوضى يوقع صكًا بأن أي انهيار في الخدمة أو الأمن أو الرغيف إخلال بالعقد. وقد سقطت أنظمة كثيرة لا لأن معارضيها اشتدوا، بل لأنها فشلت في الشيء الوحيد الذي بررت به وجودها.
وهذه الشقوق لا تصنعها أنت. تنفتح يوما، فجأة، في توقيت لا يختاره أحد ولا يسبقه إنذار. والسؤال الوحيد الذي يعنيك: هل يوجد حينها من هو جاهز؟
ثامنًا: الراية الواحدة
وهنا يقع الجواب كله، وهو جواب واحد لا عشرة.
في كل مرة انفتح فيها الشق في هذا البلد كان الذي يملؤه هو من دخل اللحظة ومعه هيكل.
وفي 2011 لم يكن أمام الشارع سوى قوتين تملكان هيكلًا وتسلسلًا وقدرة على إصدار أمر ينفذ، مؤسسة عسكرية، وجماعة. أما الملايين التي صنعت الحدث فلم تكن تملك اسمًا واحدًا تفاوض به، ولا وثيقة تضعها على الطاولة، ولا خمسة أشخاص يستطيعون أن يقولوا نحن نمثل هؤلاء.
الثورة لم تسرق. الثورة سلّمت لمن كان جاهزًا لاستلامها. وهذا هو القانون الوحيد الذي لم يخطئ مرة واحدة في قرن كامل.
الجواب إذن ليس مظاهرة أفضل ولا هتافًا أذكى ولا توقيتًا أنسب. الجواب كيان.
كيان واحد يتوحد تحته من يريدون التغيير فعلًا، براية واحدة واسم واحد وقيادة معروفة بالأسماء، مهمته المعلنة أن يستولي على السلطة لا أن يحتج عليها. ليس منبرًا للضمير، ولا واجهة حقوقية، ولا تنسيقية تصدر بيانًا كل شهر ثم تتفكك على خلاف حول صياغة فقرة. حزب بالمعنى الصلب للكلمة: تنظيم له عضوية وانضباط وموارد وتقسيم عمل ومحاسبة داخلية، وقادر في أي لحظة أن يقول من يمثله وماذا يريد وماذا سيفعل صباح اليوم التالي.
وهذا يفرض ثمنين لا يحب أحد دفعهما.
الأول ثمن الوحدة، وهو ثمن يدفع في اتجاه واحد لا في كل الاتجاهات.
الخلط الذي أفسد عقدًا كاملًا. الحزب ليس جبهة. الجبهة تحالف مؤقت على هدف واحد محدود، تحتفظ فيه كل قوة ببرنامجها، وتحل إذا انتهى سببها. أما الحزب فكيان له برنامج واحد وطبقة يمثلها ومصلحة يدافع عنها. ونحن أنتجنا طوال عشر سنين تجمعات لا هذا ولا ذاك، يجلس فيها من يريد سوقًا حرة إلى جوار من يريد تأميم الصناعة، فيصاغ البيان بحيث لا يزعج أحدا، فيخرج بلا معنى، ثم يتفكك الجمع عند أول سؤال جاد عن الأجور أو الأرض. كيان اشتراكي تحرري في برنامجه، وذلك شرط دخوله لا موضوع مساومة.
والوحدة المطلوبة داخل هذا التوجه لا خارجه، أن تجتمع تياراته المتفرقة، وهي تتشابه أكثر مما تعترف وقد انقسمت على تفاصيل نظرية وخصومات شخصية أكثر مما انقسمت على مصلحة، في تنظيم واحد له اسم وقيادة وانضباط، بدل خمسة عشر كيانًا يخاصم بعضها بعضًا ولا يخيف أحدًا. أما من عداهم فلهم موضع آخر في الحساب. من يشاركك مطلبًا بعينه إسقاط قانون، أو رفض بيع مرفق، أو تحرير محبوس تعمل معه في جبهة على ذلك المطلب وحده، بورقة تحدد ما تتفقان عليه وما لا تتفقان. تحالف لا اندماج.
والثاني ثمن البرنامج. برنامج مكتوب قبل اللحظة لا بعدها، بأرقام لا بشعارات، منشور ومعرض للنقد ومحسوب الكلفة، ماذا يحدث للدين، وللدعم، ولسعر الصرف، ولأصول المؤسسة العسكرية، ولمرتبات ملايين الموظفين. وكيف تعاد هيكلة الجهاز الأمني دون أن ينهار في اليوم الأول. وكيف يستقل القضاء دون أن يتحول إلى تصفية حسابات. وما الضمانات الدستورية الصريحة للأقباط وللنساء ولكل خائف. وما العدالة الانتقالية التي تعرض على من يمكن أن ينشق، لأن من لا يعرض شيئًا على المنشقين يدفعهم إلى القتال حتى النهاية.
هذا ما يجعل الكيان قادرًا على تفادي أخطاء ما مضى، أن يدخل اللحظة ومعه منهج ينتج به الأجوبة. فاللحظة لا تأتي كما تُتوقع، والأسئلة التي تطرح فيها لم تكن كلها في الحسبان، والمشكلة سنة 2011 لم تكن نقصًا في الآراء بل غيابًا لأداة تحسم بين الآراء المتناقضة. أن تعرف من تمثل، وبأي معيار تفاضل بين البدائل، وأين تساوم وأين لا تساوم، ومن يملك أن يقرر باسم الجميع في ساعة واحدة. من يدخل بهذا يستطيع أن يجيب عن سؤال لم يخطر له قبلها بيوم. ومن يدخل بحفظ الأجوبة يسقط عند أول سؤال لم يحفظه. والجاهزية هنا ليست فضيلة أخلاقية، هي شرط بقاء.
ومن هذا الشرط تتفرع بقية المهام تلقائيًا، الكيان هو الذي يبني قاعدته في النقابات والمصانع والمهن، لأنه يحتاج قوة اجتماعية. وهو الذي يقيم صندوقًا لأسر معتقليه، لأن تنظيمًا لا يحمي أعضاءه لا يبقى له أعضاء. وهو الذي يحفظ الأرشيف، أسماء من أخذوا ولم يعودوا، وعقود الأراضي التي انتقلت بقرار لأنه سيحتاجه يوم المحاسبة. وهو الذي يفتح خط اتصال بمن قد ينشق، لأن هذه وظيفة سياسية لا خيانة. كل هذا يصير له معنى حين يكون له صاحب، ويظل بلا معنى ما دام موزعا على أفراد طيبين متفرقين.
وبناء كيان كهذا عمل عشر سنين أو عشرين، تحت القمع وفي المنافي، وبأنشقاقات واختراقات وفشل متكرر. عمل لا يمنح صاحبه لحظة بطولة واحدة ولا صورة يضعها على حسابه. لكنه الشيء الوحيد الذي يحول انفجارًا إلى انتقال، وغضبًا إلى سلطة جديدة، تضحية ودمًا إلى نتيجة.
اخيرًا وليس اخرًا
من لا يستطيع دفع الثمن لا يملك حق تحصيله من غيره. مسألة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، ومن يخل بها فهو أقرب إلى النظام مما يظن، لأنه هو الآخر ينفق أرواح الناس في حساب ليس حسابهم.
والبديل عن الدعوة إلى ثورة مستحيلة ليس التسليم. البديل أن نكف عن انتظار اللحظة، وأن نبدأ في بناء من يستحقها. فالشق سينفتح وفي التاريخ عبر كثيرة، وسينفتح مرة أخرى ولن يستأذن أحدًا في موعده، ولن يسأل عبد الفتاح السيسي عن رأيه فيه، والسؤال الوحيد الذي سيقرر كل شيء وقتها هو السؤال نفسه الذي فشلنا فيه في كل مرة، هل على الطرف الآخر كيان له اسم وبرنامج وقيادة، أم جمهور غاضب سيقف يتفرج، كما وقف صيف 1952 وهو يشاهد الحريق الذي أشعله يسلم إلى غيره؟
فإن لم يوجد، فسنخرج بعد سنوات من على المنصات نفسها، وبالثقة نفسها لنعلن أن الشعب المصري لا يستحق، ونحن لم نسعى للبناء والاستعداد للحظة التاريخية بالشكل الكافي.

