12-04-2026
حسن مصطفى
تأسس النظام الإيراني عام 1979 على خلفية نجاح الثورة الإيرانية في إسقاط حكم الشاه، كنتيجة لصراع طويل ممتد بين الشعب الإيراني بمختلف مكوناته السياسية؛ الإسلامية، واليسارية، والقومية، في مواجهة حكم الشاه الاستبدادي محمد رضا بهلوي، المدعوم من القوى الإمبريالية، والذي كان قد عُزل وطُرد خارج إيران في شبابه على يد حكومة محمد مصدق عام 1953.
وذلك قبل تدخل المخابرات الأمريكية والبريطانية لصالحه، بتدبير انقلاب عسكري على حكومة محمد مصدق التي أمّمت النفط. فقامت بريطانيا بحصار الموانئ الإيرانية لمنع إيران من تصدير النفط بعد تأميمه، ما تسبب في أزمة اقتصادية جرى توظيفها لتدبير الانقلاب. وتمت إعادة الشاه من منفاه، وعلى إثر ذلك تم اعتقال محمد مصدق ومحاكمته بتهمة الخيانة، والحكم عليه بالإعدام، قبل تخفيف الحكم إلى ثلاث سنوات من السجن الانفرادي. ووُضعه بعد انقضاء مدة السجن، قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 1967.
غيب الموت محمد مصدق عن مشهد عزل الشاه للمرة الثانية مع إندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 التي امتدت على مدار ثمانية عشر شهرًا، وسقط خلالها عشرات الآلاف من الضحايا على يد قوات النظام، ولجوء الشاه إلى الولايات المتحدة، التي ازاحته خارج أراضيها على إثر اقتحام المتظاهرين الإيرانيين الغاضبين السفارة الأمريكية بطهران، واحتجاز طاقمها كرهائن للمطالبة بتسليمه. فاستقبله النظام المصري، الداخل آنذاك حديثًا في عباءة الهيمنة الأمريكية.
استولى الإسلاميون، بقيادة رجل الدين الكاريزمي آية الله الخميني، على الثورة، ونجحوا في القضاء على حلفائهم السابقين ومنافسيهم الحاليين ممن شاركوهم العمل لإسقاط سلطة الشاه من يساريين وقوميين. وشرعوا في بناء سلطتهم على أسس ثيوقراطية وفق المذهب الشيعي، وكان اهتمامهم الأول منصبًا على نقطتين: الأولى، الحفاظ على سلطتهم الوليدة ومنع تسربها من بين أيديهم وتكرار تجربة محمد مصدق؛ والثانية – وهي تخدم النقطة الأولى في نفس الوقت – خلق مجال حيوي للثورة الإيرانية إقليميًا عبر تصدير الثورة الإسلامية إلى شعوب المنطقة، بما يسمح لهم بلعب دور يتجاوز حدودهم الجغرافية.
وهو ما حدا بنظام الثورة الإسلامية في إيران إلى اتباع استراتيجية براغماتية في سياسته الخارجية، ببناء تحالفات مع قوى قائمة وتأسيس قوى طائفية جديدة لمساعدته على توسيع نفوذه وتقويض نفوذ القوى المناوئة له إقليميًا. فأقام النظام علاقات وثيقة مع نظام حافظ الأسد البعثي في سوريا عام 1979، والتي تطورت إلى شراكة عام 1982 في مواجهة نظام صدام حسين البعثي في العراق؛ حيث باعت سوريا صواريخ «سكود» لإيران لمواجهة الغزو العراقي.
كما دعم الإيرانيون نظام حافظ الأسد عسكريًا واقتصاديًا في مواجهة المعارضة الداخلية، وفي المقابل سهّل النظام السوري للإيرانيين بناء القدرات العسكرية لحزب الله في لبنان.
فلسطينيًا، كانت علاقات الإيرانيين والفلسطينيين سابقة على الثورة الإيرانية بنحو عشر سنوات؛ إذ إن كوادر الثورة الإيرانية، سواء من اليساريين أو الإسلاميين، تدربوا على تكتيكات حرب العصابات في معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وبلدان عربية أخرى، إضافة إلى تلقيهم دعمًا لوجستيًا بتسهيل وصول الأسلحة إليهم عبر منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح». وهو ما حدا بأن يكون ياسر عرفات أول قائد عربي يزور إيران بعد أسبوع من نجاح الثورة، وأن يسلّمه الإيرانيون، خلال زيارته، مبنى سفارة إسرائيل في طهران، بعد قطع العلاقات الدبلوماسية معها وإخلاء طاقمها بوساطة أمريكية.
وفي المقابل، دعم النظام الإيراني منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات كجزء من استراتيجيته في بناء نفوذه الإقليمي وتقويض نفوذ خصومه، وعلى رأسهم «إسرائيل». إلا أن هذا الدعم لم يستمر طويلًا، بسبب موقف ياسر عرفات المساند للعراق في حربه على إيران عام 1980، وهي الحرب التي استمرت لثماني سنوات. ومنذ ذلك الحين، تحول الدعم الإيراني للفلسطينيين إلى التنظيمات ذات الأيديولوجيات الدينية، كحركة الجهاد الإسلامي وحركة «حماس».
دفع طموح النظام الإيراني للتحول إلى قوة إمبريالية إقليمية، وتوسيع نفوذه، إلى الاعتماد على بناء قدرات عسكرية محلية الصنع، عمادها الرئيسي الصواريخ بمختلف أنواعها والطائرات المسيّرة، عوضًا عن استيراد الأسلحة من الخارج بسبب العقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة والقوى الغربية، والتي تشمل حظر شراء الأسلحة، بسبب ما تعتبره الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين سلوك مزعزع للاستقرار من قبل إيران. وبرغم من ذلك، فقد زوّدت الولايات المتحدة، سرًا عبر وسطاء، إيران بأسلحة وصواريخ أثناء حربها مع العراق، فيما عُرف بـ”إيران–كونترا” أو “فضيحة إيران”، إذ كانت الولايات المتحدة تدعم، في العلن، العراق وتزوّده بالسلاح، وفي الوقت نفسه تمدّ إيران به أيضًا، وقد لعبت إسرائيل دور الوسيط في إيصال بعض شحنات هذا السلاح إلى إيران.
ما أردت التأكيد عليه هو أن النظام الإيراني نظام شديد البراغماتية، وأن عدائه للإمبريالية العالمية والإقليمية يرتبط، إلى حد كبير، بالتنافس على النفوذ معها كقوة إقليمية ناشئة، في مقابل سعي تلك القوى إلى الضغط عليه والحد من نفوذه.
داخليًا، فقد تأسس النظام الإيراني على أسس ثيوقراطية استبدادية قمعية، يحتكر فيها رجال الدين السلطة السياسية، وتنتفي عنها العلمانية، ما يترتب عليه انتفاء الديمقراطية، وإقصاء المكونات السياسية من خارج الإطار الديني، إضافة إلى مصادرة الحريات العامة والسياسية، وانتهاك حقوق المرأة، وفرض الحجاب عليها بالقوة. وهو ما يناضل الشعب والمرأة الإيرانيين من أجل تغييره، ويدفعان ثمنه تضحياتٍ لعشرات الآلاف من الشهداء والمعتقلين، خلال العقود الماضية وحتى اليوم.
وإضافة إلى ما مثلته سياسات النظام الداخلية من انتهاكات وجرائم بحق شعبه، فقد مثلت سياساته الإقليمية جرائم ومذابح ذات طابع طائفي ارتكبها بحق شعوب المنطقة، سواء بهدف بناء نفوذه أو تعظيمه أو الحفاظ عليه. بدءًا بالصراع الشيعي–الشيعي بين حركة «أمل» وحزب الله في لبنان، والذي عُرف بـ”حرب الإخوة” بين عامي 1988 و1990، وكان يهدف إلى فرض سيطرة حزب الله المدعوم إيرانيًا على المناطق الشيعية. إضافة إلى تورط حزب الله في عدد من الاغتيالات السياسية بحق قادة حركة «أمل» وأعضاء الحزب الشيوعي اللبناني، وكذلك دور النظام الإيراني في تأجيج الحرب الأهلية العراقية (2006–2008) عبر المساهمة في تشكيل الميليشيات الشيعية وتسليحها، وتقديمه الدعم لنظام بشار الأسد في حربه على شعبه إبان الثورة السورية (2011–2024)، سواء بشكل مباشر أو من خلال حلفائه حزب الله والمليشيات العراقية، فضلًا عن قمع حزب الله انتفاضة الشعب اللبناني عام 2019، ومسؤوليته عن عدد من عمليات الاغتيال التي استهدفت ناشطين بعد الانتفاضة.
وقد مثّلت تلك السياسات الرجعية والطائفية للنظام الإيراني، سواء داخليًا تجاه شعبه أو إقليميًا تجاه شعوب المنطقة، عامل إضعاف رئيسي له، سمح لأعدائه بتحقيق اختراقات واضحة، سواء في حرب الأربعين يوما الأخيرة، أو قبلها في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، أو فيما سبقها من استهدافات داخل إيران.
في المقابل، فإن ذكر مثالب النظام الإيراني وحزب الله، والحديث عن رجعية وطائفية سياساتهما، لا يعني بأي حال دعم عدوان الولايات المتحدة والعدو الصهيوني عليهما. وهنا تكمن أهمية الموقف المركّب، الذي نستطيع من خلاله إدانة استبداد ورجعية وطائفية النظام الإيراني وحزب الله، ودعم القوى المحلية التي تناضل ضدهما من ناحية، ومن ناحية أخرى التضامن معهم والدفاع عن حق كلٍّ منهما في الدفاع عن نفسه في مواجهة الهجمة الأمريكية–الصهيونية.
إن خيار إيران وحزب الله في مناهضة إسرائيل ودعم المقاومة الفلسطينية هو، بالطبع، خيار ندعمه ونشد على أيديهم فيه. أما خياراتهما الاستبدادية والرجعية والطائفية، التي وقع ضحيتها الشعب الإيراني والعراقي والسوري واللبناني، فنُدينها ونرفضها. فالموقف المركّب الذي نتبناه تتحدد بوصلته بمصلحة الشعوب وحقها في التحرر وتقرير المصير، سواء في مواجهة أنظمة أو تيارات سياسية استبدادية رجعية وطائفية، أو في مواجهة احتلال فاشي مدعوم من الإمبريالية العالمية.
في الوقت نفسه، يجب ألّا تساورنا أي أوهام، تحت تأثير مشاعر العداء للصهيونية أو دعاية النظام الإيراني، بأن خيارات النظام الإيراني هي خيارات مبدئية أو أخلاقية؛ فهي ليست كذلك. إذ سعى النظام الإيراني، منذ تأسيسه، إلى التحول إلى قوة إمبريالية إقليمية، كما ذكرنا سابقًا. ومن الطبيعي أن يتنازع هذا الطموح مع القوى الإمبريالية المهيمنة، ممثلة في العدو الصهيوني وحليفته العالمية الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى هذا التنازع لا يخلو من استثناءات وتلاقي مصالح، ظهر في شكل تعاون أو تنسيق، كما حدث في واقعة “إيران–كونترا”، أو في تسهيل الولايات المتحدة لإيران تشكيل ودعم الميليشيات الطائفية الشيعية في العراق، لقتال قوات العشائر السنية وفلول النظام البعثي التي كانت تواجه القوات الأمريكية.
وقد ظهرت انتهازية ولا أخلاقية النظام الإيراني بوضوح مع شن العدو الصهيوني حرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين في قطاع غزة؛ إذ لم يحرك النظام الإيراني ساكنًا لإيقافها، شأنه شأن باقي الأنظمة العربية المتصهينة في مصر والأردن ودول الخليج، واكتفى بمشاركتهم بيانات الشجب والإدانة. ولم يرد سوى بهجمات صاروخية محدودة، حين استهدف العدو الإسرائيلي السفارة الإيرانية في دمشق في أبريل 2024، وحين أغتال إسماعيل هنية في طهران في يوليو من العام نفسه. في المقابل، لم يتحرك النظام الإيراني حين بدأ العدو الصهيوني عدوانه على لبنان وحزب الله بعملية “البيجر” وما تلاها من غزو في سبتمبر 2024، ردًا على إسناد حزب الله للفلسطينيين.
ومع ذلك، اندفع حزب الله لمهاجمة إسرائيل مع بداية عدوانها المشترك مع الولايات المتحدة على إيران، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب الأخيرة، والتي أدت إلى إضعاف الحزب بشكل كبير وإلحاق أضرار جسيمة ببنيته التنظيمية والعسكرية. وهو ما أعطى العدو الغطاء لشن عدوان واسع على لبنان، لا يزال مستمرًا حتى الآن، برغم إعلان اتفاق وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لمدة أسبوعين، الذي تم التوصل إليه مؤخرًا عبر وساطة باكستانية، والتي أعلنت أن الاتفاق يشمل جبهة لبنان. إلا أن العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة أعلنا أنها ليست ضمن الاتفاق، وقام العدو بتكثيف غاراته منذ الإعلان عن الاتفاق.
وأيضاً لم يتحرك النظام الإيراني حين شنّ العدو الإسرائيلي غاراته على اليمن وجماعة أنصار الله الحوثي على مدار 2025 وبداية 2026، وهو ما حدا بالحوثيين إلى تأخير تدخلهم في الحرب الأخيرة، بحسب بعض التحليلات.
وبخلاف ما يكشف ذلك من انتهازية وبراغماتية النظام الإيراني، الذي سعى إلى تعظيم نفوذه الإقليمي عبر وكلائه مع تجنب الدخول في حرب مباشرة، فإنه يكشف أيضًا عن أحد أكبر أخطائه الاستراتيجية في المواجهة مع العدو الصهيوني؛ إذ سمحت هذه السياسة، القائمة على النأي بالنفس للعدو بالانفراد بخصومه واحدًا تلو الآخر. وبعد أن ركز قدراته على تدمير قطاع غزة، والقضاء على المقاومة فيها، وارتكب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، انتقل إلى لبنان، ثم إلى اليمن. وبينما كانت إيران تكتفي بالمراقبة وتمارس سياسة النأي بالنفس، شُنّ عليها العدوان المشترك مع الولايات المتحدة. ولو اختلفت تقديرات النظام الإيراني منذ البداية، وكان أكثر مبدئية وتدخل لوقف إبادة الفلسطينيين ومنع الانفراد باللبنانيين ثم اليمنيين، لربما كانت اختلفت النتائج عما وصلت له اليوم.
ومع ذلك، فقد كانت إيران حريصة على الاستعداد للمواجهة، رغم سعيها لتجنبها، عبر بناء قدرات عسكرية محلية، مكّنتها من مواجهة عدوان دولة عظمى كالولايات المتحدة، التي تمتلك أقوى قوة عسكرية عرفها التاريخ الإنساني، وحليفتها إسرائيل في آنٍ معًا، وإدارة المعركة في مواجهتهما، وفرض قواعد اشتباك تتسم بقدر من التكافؤ، لدرجة تدعو للإعجاب، رغم التفاوت الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية.
نظام مصري يسبح في بحر التبعية
بعد أن سُوقت لنا حرب أكتوبر 1973 على أنها انتصار حاسم للجيش المصري على العدو الصهيوني وهي لم تكن كذلك؛ (لقراءة المزيد بخصوص هذه النقطة يمكن الإطلاع على: هل كانت حرب أكتوبر انتصارًا أم كذبة من كذبات النظام؟)، أخذ السادات منفردا قرار السلام مع العدو الصهيوني، والاعتراف بسيادته على أرض فلسطين المحتلة، وذلك تحت تأثير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية المتصاعدة وخشيته من الإطاحة بحكمه بعد انتفاضة 18 و19 يناير 1977. فقرر الارتماء في أحضان العدو الصهيوني، وزيارة إسرائيل في 19 نوفمبر 1977، والخضوع للهيمنة الأمريكية للحصول على مساعدات اقتصادية وإنقاذ سلطته المتداعية.
ترتب على هذه الزيارة لاحقا توقيع اتفاق السلام بين النظام المصري وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة عام 1979 (نفس عام نجاح الثورة في إيران وقطع علاقاتها بإسرائيل). ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار عقود لاحقة، سوف يواظب النظام المصري على تسويق أن خيار السلام مع العدو الصهيوني والخضوع للهيمنة الأمريكية على أنه الخيار العقلاني الأنفع للشعب، وأنه سيعود عليه بالرفاه والازدهار بعد عقود من الحروب والهزائم. لا سيما وأن مصر، نظريًا، استعادت أرضها المحتلة في سيناء عبر هذا المسار. (في الواقع، لم تستعد مصر كل أرضها المحتلة؛ فمدينة إيلات الإسرائيلية المطلة على خليج العقبة هي في الأصل قرية أم الرشراش المصرية، لكن تم التخلي عنها بسبب تمسك إسرائيل بها، لأنها المنفذ الوحيد لها على البحر الأحمر).
وقد شمل تسويق هذا الخيار لنا تصوير الولايات المتحدة وإسرائيل على أنهما «آلهة» لا يمكن تحديهما، فضلًا عن التغلب عليهم.
لكن أثبت صمود إيران اليوم، وخروجها منتصرة من المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أنهم «آلهة» فقط في عقول من يريدون منا أن نصدق ذلك، من أجل حماية مقاعد حكمهم ومناصبهم. وأن ثمن استمرار معادلة التبعية، التي تثبت حكامنا على كراسي الحكم بصمغ المعونة الأمريكية، هو التدمير الممنهج لمجتمعنا، عبر تلك التركيبة من التبعية والقمع والإفقار والذل، ما يعني الموت البطيء دون معركة.
فواقعنا المصري يقوم على استمرار الحاكم الفرد، الواحد الأحد، في مقعده، واستمراره واستقرار حكمه هو بيت القصيد، والمصلحة المقدمة على ما سواها، مهما بلغت. وهذا الحاكم هو من يقرر منفردًا كل كبيرة وصغيرة؛ فلا مؤسسات منتخبة فاعلة تراجع وتناقش وتقر قراراته أو تلغيها، ولا رأي عام يُسمح له بالتعبير عن نفسه، فضلًا عن الأخذ به. وقرارات الحاكم لدينا، في الأغلب الأعم، لا تكون لصالح الشعب – وربما تكون كذلك فقط حين لا تتعارض مع مصلحته.
التبعية السياسية: ماذا تعني، وإلى ماذا وصلت بنا؟
التبعية السياسية هي نمط من العلاقات غير المتكافئة بين الدول، يسمح للدولة الأقوى بالهيمنة على الدولة الأضعف وتوجيهها سياسيًا واقتصاديًا، بالشكل الذي يحقق مصالحها على حساب استقلال وسيادة الدولة الأضعف. ومنذ عام 1979، تدور مصر في فلك التبعية للولايات المتحدة؛ لأن حكامها كما اشرنا سابقا، منذ نظام السادات وحتى اليوم، يعتبرون أن ضمانة استمرار وبقاء حكمهم هي استمرار دعم الولايات المتحدة وحلفائها لهم.
وفي المقابل، تستمر الولايات المتحدة في تقديم مساعدات في شكل معونة مدنية وعسكرية سنوية للنظام والجيش المصري، بما يضمن استقرار الأوضاع التي تخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
لكن، وبسبب توسع اعتماد النظام المصري على الاستدانة الخارجية لتلبية هوس السيسي ببناء المشاريع العملاقة – من أكبر جامع، وأعلى برج، وأطول كوبري، إلخ – تصاعدت تبعية واعتماد النظام المصري، ليس فقط على الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، بل أيضًا على حلفاء الولايات المتحدة الموثوقين في المنطقة: العدو الإسرائيلي ودول الخليج.
وهو ما انعكس على تزايد اعتماد النظام على الغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجاته المتزايدة لتشغيل محطات الكهرباء، وتصاعد اعتماده على الدعم المالي والودائع الخليجية بشكل متزايد، بسبب تضاعف الدين الخارجي خلال السنوات العشر الأخيرة إلى أكثر من الضعف، وما يشكله ذلك من عبء كبير على الموازنة العامة، متمثلًا في أقساط خدمة الدين (الأقساط + الفوائد).
وبسبب كون انقلاب السيسي عام 2013 كان مدعومًا سعوديًا وإماراتيًا، واعتماده المالي عليهما، فقد سعى إلى مغازلة هذا الدعم، فصرّح بأن مصر ستكون ضامنة لأمن الخليج، الذي اعتبره جزءًا من عمق الأمن القومي المصري. وحين سألته مذيعة قناة “سكاي نيوز عربية”، التي تبث من أبوظبي، خلال مقابلة تلفزيونية أثناء ترشحه للرئاسة عام 2014: “ماذا يمكن أن تفعل مصر إذا هُددت أي دولة عربية؟”، أجاب: “مسافة السكة… فين المشكلة؟ التهديد فين؟ بينا وبين التهديد ده قد إيه؟ مسافة السكة دي هتلاقونا موجودين”.
اليوم، وجد السيسي نفسه في موقف لا يُحسد عليه نتيجة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والرد الإيراني باستهداف إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية وأهداف حيوية في دول الخليج، وغلق مضيق هرمز، وفتح جبهات قتال على إسرائيل من لبنان واليمن عبر حلفاء إيران (حزب الله وأنصار الله الحوثيين)، وتهديد الأخير بغلق مضيق باب المندب أمام حركة الملاحة. وما شكلته تلك العوامل مجتمعة من تهديد اقتصادي حقيقي لنظام السيسي، بحكم ارتهان وتبعية الاقتصاد المصري لأطراف الحرب: الولايات المتحدة، وحلفائها إسرائيل والدول الخليجية. ويمكن تلخيص المواقف التي ابرزتها الحرب لتلك الأطراف تجاه النظام، على النحو التالي:
1- إسرائيل توقف وتستأنف إمدادات الغاز للنظام، باعتبار أن مصر الفناء الخلفي لها:
سارعت إسرائيل، منذ اليوم الأول لعدوانها، إلى وقف إمدادات الغاز لمصر، وهو ما تكرر سابقًا أثناء حرب الإبادة على قطاع غزة. ما دفع الحكومة المصرية إلى زيادة أسعار المحروقات، والإعلان عن حزمة من الإجراءات التقشفية، منها فرض إغلاق في تمام التاسعة مساءً، ووقف العمل في المشروعات القومية كثيفة استهلاك الطاقة لمدة شهرين، مع التنويه إلى احتمالية اتخاذ مزيد من الإجراءات، استجابةً للعجز الناتج عن وقف إمدادات الغاز.
ومع إعلان إسرائيل استئناف إمدادات الغاز لمصر، بالتزامن مع الإعلان عن توقف الحرب، أعلن رئيس الوزراء المصري تأخير موعد الإغلاق إلى الساعة الحادية عشرة بدلًا من التاسعة.
ما يعني، عمليًا، أن مصر باتت الفناء الخلفي لتصريف الغاز الإسرائيلي حين يرغب العدو في ذلك. أما إذا قرر شن حرب على أي دولة جارة، فبإمكانه، بطبيعة الحال، وقف إمدادات الغاز، ونحن لا علينا إلا أن “نأكل زلط”، وهذا هو ثمن التبعية.
2- الدول الخليجية ربما تلجأ إلى سحب ودائع مالية واستثمارات من مصر:
يبدو أن الحجم الضخم للاستثمارات والودائع المالية الخليجية في الاقتصاد المصري، بجانب تصريح السيسي السابق “مسافة السكة”، رفع من توقعاتهم مع تعرضهم لهجمات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، نتيجة انطلاق الهجوم الأمريكي من أراضيهم. وتصوروا أن السيسي سيضع عبارة “مسافة السكة” موضع التنفيذ، وأنه سيهبّ لنجدتهم والدفاع عنهم، وهو ما لم يحدث. ما يشير إلى احتمال توقف الدول الخليجية، وتحديدًا السعودية والإمارات، عن تقديم دعم مالي لنظام السيسي، خاصة مع الانخفاض المفاجئ في مواردها المالية، جراء توقف صادرات النفط والغاز لبعضها (الإمارات، الكويت، قطر)، وتأثر البعض الآخر (السعودية، عُمان) بسبب غلق إيران مضيق هرمز واستهداف المنشآت النفطية أثناء الحرب. ما يرجح لجوء دول الخليج إلى تغطية هذا العجز عبر سحب أجزاء من ودائعها واستثماراتها الخارجية.
3- الولايات المتحدة لا تبدو مستجيبة للتسول المصري:
في 26 مارس، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الأمريكي مايكل روبيو، طالب فيه الولايات المتحدة بتقديم دعماً اقتصادياً وتوفير سيولة نقدية لمصر، لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي، وتأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس. وبالنظر إلى أن مصر هي واحدة من دولتين (مصر وإسرائيل) تم استثناؤهما من قرار إدارة ترامب بوقف المساعدات الخارجية، فلا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدة لتقديم مزيد من الدعم لمصر، على الأقل حتى الآن.
أيها السادة:
لم يبقَ انتظار..
قد منعنا جزية الصمتِ لمملوكٍ وعبدْ،
وقطعنا شعرةَ الوالي “ابن هند”،
ليس ما نخسره الآن.
أمل دنقل
إن خيار الاستسلام للعدو الصهيوني في صيغة سلام، والخضوع للهيمنة الأمريكية وسيطرة الأموال الخليجية في بلادنا، لم يكن يومًا خيار شعبنا. ذلك أن الحكومات والرؤساء المصريين المتعاقبين، الذين اتخذوا تلك القرارات، لم يُنتخبوا بشكل ديمقراطي، بل فُرضوا علينا في إطار نظام استبدادي قمعي. والرئيس الوحيد الذي تم انتخابه ديمقراطيًا عام 2012، بعد ثورة يناير، محمد مرسي، تم عزله واعتقاله في انقلاب عسكري بعد عام من انتخابه، من قبل نفس النظام الذي تبنى نفس خيارات التبعية والارتهان للقوى الخارجية بل وذهب بها إلى نقطة أبعد بكثير مما كانت عليه قبل 2011.
إن خيارات الاستسلام والتبعية والارتهان للخارج لم تجلب علينا سوى مزيج من التراجع الاجتماعي والإفقار والذل، وفي نفس الوقت ساعدت سماسرة الحكم القمعيين في بلادنا على تمتين سلطتهم وتضخيم ثرواتهم وأرصدتهم البنكية على حساب شقائنا، وضياع أمل أجيالٍ تلو الأخرى، وهو ما عنيت به الموت البطيء دون معركة كما في حالتنا.
إلا أنه ورغم تعاسة هذه المعادلة التي فُرضت علينا بقوة قمع وإرهاب أجهزة النظام الأمنية على مدار عقود، فإنها لم تعد قابلة للاستمرار، وسيكون على النظام اليوم مواجهة نتائج خياراته الرديئة، التي قمع الشعب من أجلها ظنًا منه أن داعميه الخارجيين سيستمرون في دعمه إلى ما لا نهاية، دون مطالبته بمزيد من التنازلات.
فالأزمة الاقتصادية، المتصاعدة يومًا بعد الآخر، والتي برزت بوضوح مع نشوب حرب العدوان الأمريكي–الصهيوني على إيران، تضع المواطن المصري، يومًا بعد آخر، أمام نتائج اختيارات سياسية خاطئة لم يشارك في اتخاذها، بل فرضها عليه نظام وطبقة حاكمة إجرامية سعيًا لبقائها وحماية مصالحها.
إن تصاعد تلك الأزمة سيؤدي، لا شك، إلى زيادة الضغط الاجتماعي، بما يفتح الباب أمام فرص التغيير السياسي، مع احتمال تحوّل هذا الضغط إلى انفجار اجتماعي. وهو ما يجب أن يستعد له الثوريون بيقظة ومسؤولية. فكما يذكّر القائد الثوري الروسي ليون تروتسكي: «تنفجر الثورة عندما لا يبقى هناك سبيل آخر».(1)
وهذا ما قد يجد المواطن المصري نفسه مدفوعًا إليه بفعل الأزمة، التي تفرض عليه تصحيح الأخطاء التي راكمها النظام والطبقة الحاكمة على مدار عقود. وأولى خطوات هذا التصحيح هي إسقاط النظام الذي أورد البلاد مورد الهلاك والذل.
هوامش:
1- ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية الجزء الثاني والأخير، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، فصل “فن الانتفاضة”، ص 148.

