27-01-2026
حين تُقيد الحرية، يبدأ السجين في بناء عالمه الخاص من جديد. السجن ليس مجرد زنزانة وحارس، بل هو مجتمع متكامل يعيد إنتاج تفاصيل الحياة الخارجية بصورتها المعقدة. وفي هذا العالم الضيق، تذوب قوانين الإدارة أمام قوانين المساجين أنفسهم؛ تلك القواعد الصارمة التي يفرضونها على بعضهم البعض، ليس حباً في النظام، بل كضرورة قصوى للتعايش والبقاء في مكانٍ سُلب منهم فيه كل شيء.
في السجن، أنت لست مجرد رقم، بل أنت “سيرة” تُقرأ منذ اللحظة الأولى. العيون هناك لا تنام، تراقب مشيتك، طريقة كلامك، وحتى صمتك. وكما يقول قدامى السجناء، “سمعتك هي اللي بتسندك”، فهي الحماية الوحيدة في مكان لا تحميك فيه الجدران.
الأمان الحقيقي داخل السجن ينبع من المواقف؛ فالرجل الصادق والصلب يُجبر حتى خصومه على تقديره. أما السقوط في فخ “الإرشاد”، فهو ليس مجرد غلطة، بل هو انتحار معنوي. الإرشاد يعني خيانة ذلك العهد غير المكتوب بين رفاق القيد، وبيع كرامتك مقابل امتياز بسيط لا يغني ولا يسمن من جوع.
إن المرشد – كما يُوصَف هنا – يعيش ميتًا بين الأحياء؛ منبوذًا تهرب منه الوجوه وتلاحقه النظرات كأنها أنصال حادة. يتحول المرشد إلى غريب وسط الزحام، الجميع يتجنبونه والعيون تلاحقه بنظرات قاسية تشبه الطعنات. لكن الوجع الحقيقي لا يأتي من الخارج فقط، بل يتسرب لداخله؛ ففي هدوء الليل، يواجه حقيقة خيانته وجهًا لوجه. هنا يبدأ الانهيار النفسي، حين يكتشف أنه فقد احترامه لنفسه ومكانته بين الناس. وحتى لو وجد من يتعامل معه من زملائه، يدرك بمرارة أن علاقتهم به ليست تقديراً، بل هي مجرد محاولة لاتقاء شره وتجنب أذاه، مما يزيد من شعوره بالوحدة والعار.
في المقابل، يظل السجين الذي يصون كرامته ثابتًا مهما واجه من تضييق أو عقاب. قد يُحرم من زيارة أهله أو يُرمى في غرف “التأديب” المظلمة، لكنه يظل في نظر الجميع إنسانًا لم يفرّط في نفسه. هذا الاحترام الذي يلقاه من زملائه، حتى في أحلك لحظات القهر، يتحول إلى سند حقيقي يمنعه من الانكسار؛ لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه لم يهن ولم يبيع مبادئه مقابل أي امتياز عابر.
على مستوى أعمق، فإن “الإرشاد” لا يدمر الشخص الذي تورط فيه فحسب، بل يضرب روح المكان بأكملها؛ فهو يزرع الشك في كل زاوية، ويجعل كل علاقة محملة بالخوف والقلق. يجد السجين نفسه يتساءل: “هل سيبيعني صديقي؟ هل سيُستخدم كلامي ضدي؟”. ومع الوقت، يختفي ذلك التضامن الذي كان يخفف وطأة السجن، وتتحول الزنازين إلى شبكة من الريبة والحذر.
نفسيًا، يجد المرشد نفسه محاصراً بعقوبتين: نبذ المجتمع الصغير له داخل السجن، وصراعه المرير مع نفسه. فالامتيازات والمكاسب، مهما عظمت، لا يمكن أن تمحو وصمة العار. في النهاية، يبقى الإنسان بلا احترام كمن يسير عارياً أمام الجميع، مهما حاول التخفي أو التجمل بامتيازات زائفة.
الإسقاط على الخارج ” المجتمع الخارجي “
لكن المفارقة الكبرى تظهر حين نقارن هذا العالم بالمجتمع خارج الأسوار. فبينما تعني كلمة “مرشد” داخل السجن موتاً اجتماعياً، نجدها في الخارج تتحول أحيانًا إلى “ذكاء” أو “شطارة”. وكأن المجتمع الواسع، الذي يُفترض أن يكون أكثر عدلاً، صار في الحقيقة أكثر قسوة وزيفاً من السجن نفسه.
أصبحنا نرى في واقعنا وجوهاً معروفة، أشخاصاً باعوا مبادئهم وارتكبوا خيانات علنية، ومع ذلك يتم تلميعهم وتقديمهم في الإعلام كقدوة، بل ويُكافأون بالمناصب والحفاوة. من كان يُعتبر منبوذاً داخل السجن، قد يصبح “ناجحًا لامعًا” في الشارع، ومن وُسم بالخيانة، يُستقبل بالتصفيق.
على سبيل المثال، أحد الصحفيين اللامعين الذي يعمل في موقع فكّر تاني “حسن القباني” ويجري مقابلات وبودكاست مع سياسيين ومثقفين، كان أحد أعلام الإرشاد كـ”مسير” أمن وطني في سجن طرة تحقيق أثناء فترة سجنه.
لم يكتفِ القباني أثناء عمله كـ”مسير” بالإرشاد فقط، بل كان يشارك في تفتيش واستجواب وحتى ضرب السجناء الجدد مع المخبرين في إيراد عنبر (1) تحت إشراف ضابط الأمن الوطنى المجرم أحمد مراد “اسم مستعار” واسمه الحقيقي عمرو المفتي.
هذا التناقض وهذا الخلل الأخلاقي يضرب الداخل في العمق؛ فحين يرى السجين أن العالم الخارجي يكافئ الخيانة ويحتفي بأصحاب السمعة السيئة، يبدأ بسؤال نفسه بمرارة: “لماذا أتمسك بسمعتي إذا كانت لا تساوي شيئًا في الخارج؟”. وهنا ينهار ما تبقى من قيم، ويتحول “الإرشاد” من فعل شائن إلى سلوك عادي، أو مجرد وسيلة “مطلوبة” للنجاة والحصول على الحماية.
بهذا الشكل، يتسرب فساد الخارج إلى الداخل، ويفقد السجن ذلك الوضوح في القيم؛ فبعدما كان الخائن يُعاقب بالنبذ، صار السجن صورة مشوهة لمجتمع يحتفي بالفساد ويكافئ من يبيع ضميره. وفي النهاية، يجد الإنسان نفسه ممزقًا بين مبادئ يؤمن بها وواقع يراه بعينيه.
فداخل السجن، كانت السمعة هي الحائط الأخير الذي يستند إليه السجين، أما في الخارج، فقد تحولت إلى سلعة تُباع وتُشترى وتُلمّع بالخداع. وهنا يبرز السؤال المؤلم: إذا كان السجن، بكل قسوته، قد استطاع الحفاظ على قيمة الشرف أكثر من المجتمع الحر، فماذا تبقى لنا جميعًا؟ أليس المجتمع الذي يكافئ الخيانة ويلمّعها أخطر على الإنسان من أي زنزانة مظلمة؟
وهنا، تصبح المسؤولية ملقاة بشكل مباشر على عاتق كل صاحب وعي حقيقي في الوسط الحقوقي والمؤسسات الصحفية الشريفة. إن دوركم اليوم هو التصدي لهذا العبث الأخلاقي ووقف تلميع الوجوه التي باعت ضمائرها. فلا يمكن لمن ينادي بالحرية أن يغض الطرف عن “خيانة المبادئ” أو يقبل بتحويلها إلى “شطارة”، لأن تلميع هذه النماذج هو طعنة في ظهر كل إنسان صامد اختار أن يدفع ثمن كرامته غاليًا ويقبع حاليا قيد الاعتقال.
رسالة من مسجون صامد من داخل معتقلات السلطة المصرية – سجن بدر
22 نوفمبر 2025

