24-01-2026
إذا كان تاريخ الشعوب، بوجه عام، هو تاريخ محاولات متواصلة للتحرر والثورة على قوى الاضطهاد والاستغلال، سواء كانت قوى استعمارية محتلة أو سلطات محلية مستبدة، فإن تاريخ شعبنا حتى اليوم لا يبدو سوى سلسلة من الهزائم والانكسارات في محاولاته المتكررة على هذا الطريق.
كانت آخر هذه المحاولات هي ثورة يناير 2011، تلك المحاولة الجسورة للتحرر والانعتاق، التي واجهتها المؤسسة العسكرية بقمعها وسحقها، عبر تدبير ثورة مضادة عسكرية انتهت بانقلاب دموي في عام 2013، دشّن مرحلة جديدة من إرهاب الدولة المنهجي، لا نزال نعيش فصوله المأساوية حتى يومنا هذا.
لا يعني هذا أن اضطهاد واستغلال شعبنا قدرٌ محتوم لا مفرّ منه؛ بل على العكس، يكشف ذلك عن الأهمية والمحورية الخاصة لتحرر الشعب المصري ذاته. فبكتلته السكانية الضخمة، وبموقع مصر الجيوسياسي في قلب الشرق الأوسط – المنطقة الغنية بالنفط والأكثر بؤسًا وفقرًا لشعوبها في الوقت نفسه – وبوجود الكيان الصهيوني على حدودها، يكتسب تحرر الشعب المصري وزنًا سياسيًا يتجاوز حدوده الوطنية.
إن الطاقات التي يمكن أن يُفجّرها هذا التحرر، وانعكاسه على باقي شعوب المنطقة، تمتلك قدرة حقيقية على زعزعة وتفكيك بنية الهيمنة وعلاقات القوى التي نسجها الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية مع طبقات الحكم العربية على مدار عقود؛ تلك العلاقات ذاتها التي تعصف اليوم بشعبنا وبشعوب المنطقة.
نحن نعلم أننا نمرّ بمرحلة شديدة السوء والتعقيد في تاريخ شعبنا؛ مرحلة يطحن فيها القمع والاستبداد والفقر مجتمعنا بلا هوادة. ففي ظل هذا الواقع، تُدفَع الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة، يومًا بعد يوم، إلى خوض نضالات وإضرابات عمالية محدودة للدفاع عن مصالحها وعن وجودها نفسه، تحت وطأة القمع الأمني الشديد.
لكن هذه النضالات، مهما بدت محدودة اليوم، ستقود الجماهير في المستقبل نحو الثورة بوصفها وسيلتها الوحيدة والنهائية للدفاع عن نفسها وعن حقها في الحياة، في مواجهة نمط النهب والتجريف الاقتصادي المستمر، القائم على سياسات التقشف والإفقار النيوليبرالية، التي يفرضها البنك الدولي كشرط لاستمراره في إقراض الحكومة.
ويأتي ذلك في سياق أزمة سياسية خانقة، وحالة انسداد شامل يفرضها النظام عبر احتكاره الكامل للمجال السياسي، وإغلاقه كل أفق للإصلاح. وقد تجلّى هذا بوضوح في المشهد الانتخابي الهزلي الذي شهدناه مؤخرًا في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، الفاقدة للشرعية بكل المقاييس، وصولًا إلى سعي السلطة لتعديل الدستور مرة أخرى بهدف تمديد ولاية الديكتاتور السيسي إلى ما بعد عام 2030.
وهو ما يجعل اندلاع ثورة جديدة في السنوات القادمة احتمالًا قائمًا. غير أن تطوّر هذه الثورة ونجاحها في إسقاط النظام، وبناء سلطة ديمقراطية تعبّر عن مصالح الجماهير، يظلان مرهونين بقدرة الجماهير ذاتها على إفراز طليعة ثورية من صفوفها، قادرة على دراسة ثورة يناير واستخلاص دروسها.
وأهم تلك الدروس التي لا يمكن تجاهلها هي:
1- برهنت الطبقة البرجوازية، خلال مسار الثورة، مرارًا وتكرارًا، أنها مستعدة للتضحية بالديمقراطية فور شعورها بتهديد لمصالحها الطبقية، أو حين تستطيع تحقيق هذه المصالح بدونها.
2- أثبتت التجربة أن الطبقة العاملة وحدها قادرة على قيادة الثورة الجماهيرية نحو تحقيق ديمقراطية حقيقية، عبر إسقاط دعائم السيطرة الرأسمالية للطبقة الحاكمة على المجتمع، في إطار ثورة اشتراكية تعيد تشكيل علاقات القوى على أسس جديدة، في دولة عمالية تضمن ديمقراطية حقيقية ومستدامة تحمي المكتسبات وتمنع الارتداد عنها.
إننا في تيار الثورة الاشتراكية نعتبر أن دراسة وتحليل فصول ثورة يناير، والوقوف على مواقف التنظيمات والأحزاب المختلفة التي شاركت في خداع وتضليل الجماهير، وأسهمت في تسليم الثورة على طبق من فضة لأعدائها – سواء كانت تنظيمات دينية، أو شعبوية ناصرية، أو ليبرالية، أو وسطية اشتراكية – أمرًا بالغ الأهمية، حتى لا نسمح لتلك التنظيمات نفسها بإعادة التلاعب بالجماهير حين تشتعل شرارة انتفاضة جديدة.
وفي الوقت نفسه، نولي اهتمامًا خاصًا بدراسة المواقف السياسية والأمنية والعسكرية للسلطة أثناء الثورة وبعدها، بما يتيح لنا التعاطي معها بفاعلية، وتجنّب تكرار الأخطاء ذاتها عند اندلاع ثورة جديدة.
لقد شكّلت ثورة يناير، عبر دماء شهدائها وتضحيات مصابيها ومعتقليها، بداية مسيرة طويلة لتحرر الشعب المصري. وبرغم تعثّر مراحلها الأولى، والردّة الكبرى التي تمثّلت في نجاح الديكتاتورية العسكرية في كبحها وتثبيت حكم الديكتاتور السيسي حتى الآن، فإننا نعتبر أن هذا هو أقصى ما تستطيعه هذه الديكتاتورية: تعطيل المسار التاريخي مؤقتًا، لا تغييره أو إلغاء قوانينه، مهما بدت سطوتها وقوة سيطرة أجهزتها الأمنية.
وأن الثورة التي خضّب شهداؤنا طريقها بدمائهم، وضحّى مصابوها ومعتقلوها من أجل شعاراتها: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ستشقّ طريقها مرةً أخرى، مهما طال الزمن، وتنتصر لأهدافها.
عاش كفاح الشعب المصري من أجل الحرية والكرامة.
عاشت دروس ثورة يناير حية في عقول وقلوب الثوريين.
الثورة طريقنا إلى الحرية، والتنظيم والوعي سلاحنا.
تيار الثورة الاشتراكية
24 يناير 2026

