20-01-2026
تشهد إيران منذ الثامن والعشرين من ديسمبر انتفاضة جماهيرية واسعة ضد الديكتاتورية الدينية الحاكمة في البلاد. وقد أقدمت الحكومة على قطع خدمة الإنترنت لعدة أيام متتالية، الأمر الذي يجعل الكثير من تفاصيل الوضع الراهن غير معروفة حتى الآن. ومع ذلك، لا تزال بعض التقارير ومقاطع الفيديو التي توثق الاحتجاجات المستمرة في الشوارع، وكذلك القمع الدموي الذي تواجهه، تنجح في الإفلات من رقابة الدولة وتصل إلى العالم الخارجي.
تعود الخلفية المباشرة لهذه الاحتجاجات إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث تواجه الجماهير صراعًا متزايدًا ويائسًا من أجل البقاء. فقد ارتفع معدل التضخم إلى أكثر من 40%، في حين زادت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 60% خلال العام الماضي وحده. وقد كان الغضب الشعبي يتراكم منذ فترة، لكن عندما تعرّضت العملة الوطنية لانهيار كارثي جديد في أواخر ديسمبر، تحوّل هذا الحدث إلى الشرارة التي أشعلت حريقًا اجتماعيًا واسعًا.
بدأت الانتفاضة عندما أغلق التجار التقليديون المحافظون في بازار طهران الكبير محالهم احتجاجًا. وسرعان ما انضم إليهم طلاب الجامعات، ولم تمضِ فترة طويلة حتى دخلت الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة في حالة تمرد في مختلف أنحاء البلاد. وقد جرى تسجيل 614 احتجاجًا مختلفًا في 187 مدينة وبلدة، شملت جميع المحافظات الإحدى والثلاثين في إيران.
لا شك أن العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران قد لعبت دورًا رئيسيًا في تعميق الأزمة الاقتصادية. فهذه العقوبات تمثل سلاحًا إمبرياليًا موجّهًا ضد الشعب الإيراني، ويجب على جميع الاشتراكيين وأنصار الديمقراطية معارضتها بلا تردد. غير أن الحكّام الدينيين في إيران وشبكاتهم من المنتفعين، يتحملون هم أيضًا مسئولية هائلة عن تفاقم هذه الأزمة. فمن أجل تكثيف استغلال الطبقة العاملة وتعظيم الأرباح، أقدموا على خصخصة العديد من الصناعات التي كانت مملوكة للدولة، وفرضوا في الوقت نفسه قمعًا شديدًا على النقابات العمالية. وإلى جانب ذلك، أُهدرت مليارات الدولارات في مغامرات رجعية خارجية؛ إذ كلّفت محاولة الإبقاء على السفاح بشار الأسد في السلطة في سوريا وحدها ما لا يقل عن 30 مليار دولار أمريكي، فضلًا عن سقوط عدد لا يُحصى من الضحايا.
ومن المهم التأكيد على أن الجماهير في إيران تدرك أن الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل ليستا المسؤولتين الوحيدتين عن معاناتها، وأن الديكتاتورية الدينية ونظامها الرأسمالي القائم على تحقيق الأرباح يشتركان في المسؤولية. فعندما أجرت وزارة الثقافة التابعة للنظام نفسه استطلاعًا وطنيًا بعنوان «القيم والمواقف لدى الإيرانيين» عام 2023، وافق 78% من المشاركين على العبارة التالية: «في مجتمعنا، يزداد الأغنياء غنى كل يوم، بينما يزداد الفقراء فقرًا».
وعلاوة على ذلك، فقد تضافر هذا الوعي بمسؤولية الحكّام عن الأزمة الاقتصادية مع إخفاقات النظام في سياسته الخارجية والعسكرية، ليُنتج أزمة شرعية خانقة للنظام. فقد أمضى حكّام إيران سنوات طويلة وهم يتباهون بقوة جيشهم، لكن عندما شنّت إسرائيل حربها الإبادية ضد الشعب الفلسطيني، ثم عدوانها على حزب الله في لبنان، اكتفت طهران بردود رمزية لا تتجاوز الإطار الشكلي. وعندما انتقلت تل أبيب وواشنطن إلى توجيه ضربات مباشرة لإيران نفسها، جاءت النتائج مهينة للديكتاتورية الدينية؛ إذ اخترقت القوات الأمريكية والإسرائيلية الدفاعات الإيرانية بسهولة، وقتلت عددًا من كبار القادة، وقصفت البنية التحتية للبرنامج النووي.
وهكذا تجد الطبقة الحاكمة في إيران، كما الجماهير التي تقمعها، نفسها في مواجهة أزمة سياسية يحاول الطرفان الخروج منها بأي ثمن. وقد خلقت الانتفاضة الاحتجاجية الجارية وضعًا ثوريًا كلاسيكيًا بكل المقاييس. كما صاغ فلاديمير لينين تعريفه الكلاسيكي للوضع الثوري:
«ما هي، بوجه عام، علامات الوضع الثوري؟ يمكننا أن نحدد بثقة ثلاث علامات رئيسية:
(1) عندما تصبح الطبقات الحاكمة عاجزة عن الحفاظ على سيطرتها دون أي تغيير؛ وعندما تنشأ أزمة، بشكل أو بآخر، داخل “الطبقات العليا”، أزمة في سياسة الطبقة الحاكمة، تؤدي إلى صدع ينفجر منه سخط واستياء الطبقات المضطهدة. ولتحقق الثورة، ليس كافيًا أن “الطبقات الدنيا لا ترغب” في العيش بالطريقة القديمة؛ بل من الضروري أيضًا أن “الطبقات العليا غير قادرة” على العيش بالطريقة القديمة.
(2) عندما تتفاقم معاناة واحتياجات الطبقات المضطهدة بشكل أكبر من المعتاد؛
(3) عندما يؤدي ذلك، كنتيجة لهذه الأسباب، إلى زيادة كبيرة في نشاط الجماهير، التي تسمح لنفسها بأن تُستغل في “أوقات السلم” دون احتجاج، لكنها في الأوقات المضطربة تنجذب، بفعل كل ظروف الأزمة وبتأثير الطبقات العليا نفسها، إلى العمل التاريخي المستقل.»
لكن، كما شدّد لينين نفسه، فإن «ليس كل وضع ثوري يؤدي بالضرورة إلى ثورة». فلكي تتطور الثورة وتنجح، لا بد من وجود قيادة سياسية قادرة على أن تُرشد الجماهير إلى طريق الانتصار.
إن الأزمة السياسية والاقتصادية في إيران، كما عرضناها، تُظهر بوضوح أن الجماهير في حاجة إلى قيادة تدرك أن الدفاع الحقيقي عن الشعب الإيراني يقتضي هزيمة جميع مضطهديه؛ فلا يكفي إسقاط الديكتاتورية الدينية الحاكمة وحدها، بل يجب أن تصبح نضالات الجماهير في إيران جزءًا لا يتجزأ من الصراع العالمي ضد الرأسمالية وقواها الإمبريالية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحليفها الكيان الصهيوني، اللذان يمثلان أكثر المضطهِدين المباشرين للشعب الإيراني. والنوع الوحيد من القيادة القادر على الارتقاء إلى مستوى هذا التحدي هو حزب ثوري اشتراكي أممي للطبقة العاملة.
وفي هذا السياق، ومع سعي الديكتاتورية الإيرانية وأدواتها إلى تصوير الانتفاضة الجماهيرية الجارية باعتبارها مجرد مؤامرة تحيكها الإمبريالية الغربية، نوصي بقراءة البيان التالي الصادر عن نقابة عمال شركة حافلات طهران وضواحيها، والذي نقوم بترجمته إلى العربية للمرة الأولى.
لقد نظّمت نقابة سائقي حافلات طهران العديد من المعارك دفاعًا عن مصالح الطبقة العاملة الإيرانية، ولا يزال قادتها يدفعون ثمن ذلك غاليًا من خلال السجن والتعذيب على يد النظام. كما تمتلك النقابة تاريخًا طويلًا في مناهضة الإمبريالية؛ فلم تكتفِ بإدانة العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، بل أصدرت كذلك بيانات تدين الإبادة الصهيونية في غزة، وتعارض الهجوم الأمريكي الأخير على فنزويلا واختطاف رئيسها.
وفي وقت تُشوَّه فيه الجماهير الإيرانية وتُتهم بأنها أدوات للإمبريالية، وتُدان نضالاتها باعتبارها مؤامرة غربية، تزداد أهمية تسليط الضوء على مثل هذه الأصوات الأصيلة المنبثقة من قلب الطبقة العاملة الإيرانية.
نُشر البيان التالي الصادر عن نقابة عمال شركة حافلات طهران وضواحيها لأول مرة في 7 يناير، أي قبل يوم واحد من قيام الديكتاتورية الإيرانية بقطع خدمة الإنترنت. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن أي بيان جديد للنقابة من الظهور على شبكة الإنترنت. وبناءً عليه، فإن الأرقام الواردة في البيان بشأن أعداد القتلى الذين سقطوا برصاص السلطة باتت غير مُحدّثة؛ إذ تعترف حكومة طهران نفسها اليوم بسقوط آلاف القتلى (مع تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية، بطبيعة الحال)، فيما قد يكون العدد الحقيقي للضحايا أكبر بكثير.
بيان نقابة عمال شركة حافلات طهران وضواحيها – 7 يناير
(نُشر في الأصل على: t.me/s/vahedsyndica)
دعمًا للنضال المشروع للشعب؛ نحو حرية ومساواة حقيقيتين، لا عودة إلى الماضي
دخلت الاحتجاجات الشعبية والإضرابات في عدد من مدن البلاد يومها الحادي عشر. ورغم التشديد الأمني المكثف، والانتشار الواسع لقوات الشرطة والأجهزة الأمنية، واندلاع اشتباكات عنيفة، لا تزال رقعة الاحتجاجات واسعة ومتنوعة. ووفقًا للتقارير المتاحة، شهد ما لا يقل عن 174 موقعًا في 60 مدينة وبلدة، موزعة على 25 محافظة، احتجاجات خلال هذه الفترة، فيما جرى اعتقال المئات من المتظاهرين. وللأسف، فقد قُتل ما لا يقل عن 35 مواطنًا من المحتجين، من بينهم أطفال، خلال الفترة نفسها.
لقد أظهر الشعب الإيراني المضطهد، في محطات متكررة منذ يناير 2018، ثم نوفمبر 2019، وسبتمبر 2022، عدم قدرته على تحمّل علاقات وبُنى اقتصادية – سياسية قائمة على الاستغلال وعدم المساواة. ولم تنشأ هذه الحركات من أجل العودة إلى الماضي، بل من أجل بناء مستقبل خالٍ من هيمنة رأس المال، قائم على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وإذ نُعبّر عن تضامننا الكامل مع النضالات الشعبية ضد الفقر والبطالة والتمييز والقمع، فإننا نُعلن بوضوح معارضتنا لأي محاولة للعودة إلى ماضٍ تهيمن عليه اللامساواة والفساد والظلم. فنحن نؤمن بأن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال القيادة الواعية والمنظمة، والمشاركة الفعلية للطبقة العاملة والجماهير المضطهدة، لا عبر إعادة إنتاج أشكال السلطة القديمة والاستبدادية.
وفي الوقت نفسه، يواصل العمال والمعلمون والمتقاعدون والممرضون والطلاب والنساء، ولا سيما الشباب، تصدّر هذه النضالات، رغم القمع الواسع، والاعتقالات، والفصل من العمل، وضغوط المعيشة الخانقة. وتؤكد نقابة عمال شركة حافلات طهران وضواحيها على ضرورة استمرار الاحتجاجات المستقلة، الواعية والمنظمة.
لقد قلنا ذلك مرارًا ونكرره اليوم: إن طريق تحرر العمال والكادحين لا يمر عبر فرض قيادات من فوق رؤوس الجماهير، ولا عبر التعويل على قوى خارجية، ولا عبر أجنحة داخل السلطة نفسها، بل يمر عبر الوحدة والتضامن، وبناء تنظيمات مستقلة في أماكن العمل وعلى المستوى الوطني. ويجب ألا نسمح لأنفسنا بأن نتحول مرة أخرى إلى ضحايا لألعاب السلطة ومصالح الطبقات الحاكمة.
كما تُدين النقابة بشدة أي دعاية أو تبرير أو دعم للتدخل العسكري من جانب الحكومات الأجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل. فمثل هذه التدخلات لا تؤدي إلا إلى تدمير المجتمع، وسقوط المزيد من الضحايا، وتوفير ذرائع إضافية للسلطة من أجل مواصلة القمع والعنف. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الحكومات الغربية المتغطرسة لا تُولي أي اعتبار حقيقي لحرية الشعب الإيراني أو معيشته أو حقوقه.
نطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين، ونؤكد ضرورة تحديد المسؤولين عن إصدار وتنفيذ أوامر القتل، ومحاسبتهم قضائيًا.
عاشت الحرية والمساواة والتضامن الطبقي!
الحل هو في وحدة الطبقة العاملة وتنظيمها!

