02-01-2026
حسن مصطفى
كشفت مهزلة ما يُطلق عليه انتخابات مجلس النواب، وقبلها مجلس الشيوخ، عن حجم الأزمة والكارثة السياسية التي تعيشها بلادنا. فبسبب التصاعد المستمر في القمع والفساد، وتنافس أجهزة الأمن – الأمن الوطني والمخابرات – على حصد أكبر كتلة نفوذ في البرلمان القادم عبر دعم أنصارهم، تحولت الانتخابات إلى مهزلة علنية بكل المقاييس.
أمسى الأمر أشبه بمباراة كرة قدم نتيجتها مدبرة سلفًا، والتي عادةً ما يشاهدها الجمهور بالملل وتثاؤب، لأنه يعلم أن النتيجة محسومة لصالح الفريق المسيطر؛ فهو صاحب الملعب، وهو من يضع القوانين، ويعين الحكام، ويحدد حتى الفريق المنافس. لكن فوجئ الجمهور مع بداية المباراة بأن كل أقدام لاعبي الفريق المعد للهزيمة قد كسرت، ما يعني أنه لن يكون بمقدورهم حتى الركض في الملعب كي تتحقق النتيجة المدبرة والمعدة سلفًا. وهنا بدأت المباراة تجذب انتباه الجمهور، لأن نتيجتها لم تعد واضحة، ليس لأن الفريق المسيطر بات مهددًا بالهزيمة، بل لأن فساد المباراة يجعل إعلان فوزه مستحيلًا.
لكن استحالة إعلان الفوز في مثال مباراة كرة القدم المدبرة، بسبب استحالة عقد المباراة الصورية أساسًا، لا تعني بالضرورة استحالة إعلان السلطة نجاح مهزلتها الانتخابية. فالسلطة تواصل تسويق سرديتها عن نجاحاتها المتتالية، مدعومة بقوة واقع سيطرتها على كافة أدوات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، وبسياسة القبضة الحديدية التي تحكم المشهد السياسي، والتي تضع المعارضة تحت سيف الرقابة الذاتية، وهذا ما ادي إلى هبوط سقف خطاب المعارضة السياسي، حتى اقتصر على مطالبات خجولة بتحقيق إصلاحات سياسية وإطلاق سراح المعتقلين، دون تحديد واضح لشكل الإصلاحات المطلوبة، أو لما يترتب على عدم استجابة السلطة لتلك المطالب، وهو واقع قائم حتى الآن.
في وقت تثبت فيه التجربة أن السلطة لا تملك أي نية أو اهتمام بفتح المجال العام، أو إجراء إصلاحات سياسية، أو السماح للمعارضة بالتعبير عن نفسها، بل على العكس تمامًا، يُجري الحديث حاليًا عن رغبة السلطة في تعديل الدستور مرة أخرى لتمديد ولاية السيسي مجددًا. يأتي ذلك بعد تعديل 2019 الذي مدد فترة ولايته الثانية من أربع إلى ست سنوات، ومنحه ولاية استثنائية ثالثة مدتها ست سنوات تنتهي في 2030، ما يعني عمليًا تمديد الحكم العسكري لديكتاتورية السيسي إلى ما لا نهاية.
حديث السلطة عن “الإصلاح السياسي” يأتي دائمًا في إطار المناورة السياسية. فحين تطالب الدول المانحة وتشدد على أهمية “الإصلاح السياسي”، تنصب السلطة “صِوان” الحوار الوطني، الذي انتهى بتفريغ محتواه من أي مضمون إصلاحي أو سياسي، وقد أُلقيت توصياته ومخرجاته في سلة المهملات، ولم يُؤخذ بأي منها، لا في قانون الإجراءات الجنائية، ولا في قانون الانتخابات، ولا حتى فيما يخص الإفراج عن المعتقلين.
من ناحية أخرى، لا يجب أن يكون لدينا أي أوهام بشأن اهتمام المانحين الغربيين الحقيقي بملف “الإصلاح السياسي”، فهو ليس سوى أداة ضغط توظف من جانبهم لتحقيق أقصى استفادة من النظام، لخدمة مصالحهم ومصالح حليفتهم إسرائيل. وقد ظهر هذا بوضوح بعد انصراف اهتمام المانحين عن ملف الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان في مصر بعد السابع من أكتوبر، حيث بات يُنظر إلى النظام المصري كعامل استقرار في المنطقة لصالح القوى الغربية، وذو دور فعال في دعم إسرائيل في حربها على قطاع غزة.
نحن كاشتراكيين ثوريين لا نرى الديمقراطية غاية في حد ذاتها أو أن تحققها سينهي مشاكل المجتمع من فقر واستغلال واضطهاد. ببساطة، لأن الديمقراطية لن تملأ البطون الجائعة ولن تحقق من تلقاء نفسها العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة. لكن في الوقت نفسه، نفهم أن الديمقراطية هي الأداة والشرط الرئيسي الذي يستطيع الفقراء والمستغلون والمضطهدون عبره امتلاك صوت للتعبير عن مصالحهم وتجربة الدفاع عن تلك المصالح عبر الانخراط بحرية في العمل السياسي والنشاط الاجتماعي، ما يتيح لهم تعلم حدود ما يمكن أن تقف عنده الديمقراطية البرلمانية، وفهم أهمية تجاوزها لصالح النموذج الاشتراكي الثوري.
إن تحقيق الديمقراطية هو ما سيسمح بظهور الأفكار على السطح، حيث تظهر أي منها تخدم مصالح غالبية الشعب، ومدى مصداقية وتماسك هذه الأفكار في الدفاع عن المبادئ والشعارات التي ترفعها. كما سيُبرز تحقيق الديمقراطية مدى تمسك مختلف القوى السياسية بها واستعدادها للدفاع عنها حتى عندما تتعارض مع مصالحها الخاصة، وهو الدرس الذي أخفقت فيه كل القوى السياسية في مصر عشية ثورة يناير 2011، بدءًا من الإخوان المسلمين وصولًا إلى القوى العلمانية من ناصريين وليبراليين واشتراكيين.
الإخوان المسلمون، على سبيل المثال وليس الحصر، سعوا بعد الثورة إلى التقرب من الجيش ومنحه تطمينات ببقاء امتيازاته. وعبر أغلبيتهم في لجنة صياغة دستور 2012، أقروا المواد 197 و198 التي سمحت ضمنيًا بمحاكمة المدنيين عسكريًا، وحصانة ميزانية الجيش وعدم إخضاعها لرقابة البرلمان بالكامل، وذلك مقابل أن يمنحهم الجيش مساحة من السلطة التي يحتكرها هو أساسًا. فاعتمدوا في ذلك على التوافق مع الوضع الاستثنائي للجيش، واتخاذه شريكًا للاستقواء به على باقي المكونات السياسية، بدلاً من السعي إلى إزاحته من المشهد السياسي.
وينطبق نفس الأمر على التيار الناصري بزعامة حمدين صباحي، الذي لم يرَ أي مشكلة في استدعاء الجيش لعزل محمد مرسي والإطاحة بالإخوان، ودعم خارطة الطريق والمرحلة الانتقالية التي أعلنها عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في عام 2013، على أمل أن يفتح له ذلك الطريق للوصول إلى السلطة.
إن فهم واستيعاب أن الديمقراطية كآلية لا يمكن توظيفها لخدمة مصالح تيار أو حزب أو مجموعة على حساب باقي القوى السياسية، وأن القبول بالديمقراطية يعني القبول بقواعد تخدم مصالح الجميع على قدم المساواة، هو المدخل الأساسي لتجاوز وضع الاستبداد الذي نعيشه. فأي محاولة للالتفاف على الديمقراطية لن تخدم سوى القوى المعادية لها، كما يشهد على ذلك واقع تجربتنا السياسية المريرة.
إن السعي لمواجهة هذا الواقع يستوجب تحديدًا دقيقًا لما يعنيه تحقيق الانتقال الديمقراطي، لأنه بدون هذا التحديد لن نتمكن من تعيين الأهداف التي نريد الوصول إليها، ولا من تكوين كتلة حرجة حولها لتحقيقها، وهذا هو الأمر الأول. أما ثانيًا، فهو تكوين هذه الكتلة الحرجة التي تدفع باتجاه تحقيق تلك الأهداف، وذلك عبر بناء جبهة متحدة من قوى المعارضة الجادة الساعية للتحول الديمقراطي، والإعلان عن تبني هذه الأهداف والدعوة إليها.
إن الجبهة المتحدة لا تعني أن القوى التي تنخرط فيها عليها أن تتخلى عن برامجها وأفكارها السياسية المستقلة لصالح برنامج الجبهة. بالطبع لا، بل تعني أن تتحد تلك القوى حول مجموعة من الأهداف السياسية التي تُعتبر شرطًا أساسيًا لوضع البلاد على طريق الديمقراطية والإصلاح السياسي الحقيقي.
وفي هذا السياق، تُعد تجربة حركة “كفاية” مثالًا هامًا وملهمًا، فقد استطاعت الحركة منذ تأسيسها عام 2004 أن تشكل جبهة توحد خلفها قوى المعارضة باختلاف أطيافها، حول شعار محدد هو: “لا للتمديد، لا للتوريث”. وقد مكّنها هذا الشعار من تكوين كتلةٍ حرجة لعبت دورًا فعالًا في تعبئة قطاعات واسعة ومتنوعة من المجتمع، وأسهمت في النهاية في تحقيق الهدف المتمثل في رفض التمديد والتوريث حين حانت ساعة الانتفاضة في 2011.
لكن خطأ رئيسيًا وقعت فيه “كفاية”، يجب أن نتعلم منه ونتجنبه، وهو أنه حين رفعت شعارًا يلخص ما لا تريد: “لا للتمديد، لا للتوريث”، لم تهتم بصياغة ما “تريد” و”ترغب في تحقيقه”، بمعنى أن الحركة لم تبلور رؤية لما بعد تحقق عدم التمديد وعدم التوريث، مما أدى إلى أنه حين انتفى التمديد والتوريث في 2011 بفعل الانتفاضة، كانت الحركة عاجزة عن تقديم تصور لمحددات عامة لخارطة طريق تسمح بحدوث تحول ديمقراطي وتداول سلمي للسلطة.
النقاطة الرئيسية التي يُمثل تحقيقها بداية لوضع البلاد على طريق التحول الديمقراطي، ومن ثم الوصول إلى ما يُعرف بالحكم الرشيد، هي خروج الجيش من السياسة والاقتصاد وتعيين ميزانيته بطريقة شفافة تخضع للرقابة البرلمانية.
أي تحول ديمقراطي مشروط في المقام الأول بخروج الجيش من السياسة وتوقفه عن لعب أي دور سياسي، وخضوعه لحكومة مدنية منتخبة. وتجاهل إعطاء هذه النقطة الأولوية كمدخل لأي عملية إصلاح ديمقراطي، يُمثل تجاهلًا لـ”الفيل الذي في الغرفة”. فمنذ عام 1952، يحتكر الجيش في مصر السياسة ومراكز صنع القرار، وتتم إدارة الدولة من خلال سيطرة أجهزة الأمن والمخابرات على الحياة السياسية والعامة في المجتمع، مما يضمن استمرار تلك السيطرة.
إن ترجمة خروج الجيش من السياسة تعني تخليه نهائيًا عن لعب أي دور أو التدخل في السياسة أو الحياة العامة، إضافة إلى توقفه عن القيام بأي نشاط اقتصادي، وتحويل الشركات والمشاريع التي يمتلكها ويسيطر عليها إلى القطاع العام. إذ يُعتبر النشاط الاقتصادي للجيش وسيلة للثراء غير المشروع وشراء الولاءات، عبر توزيع عوائد هذا النشاط على قياداته، في منظومة متكاملة من الفساد السياسي والاقتصادي تغذي بعضها البعض. هذا الوضع يضع ضباط الجيش وأجهزة الأمن والمخابرات في موقع الأسياد أو الإقطاعيين في دولة أشبه بدولة عبيد، يمتلكون فيها سلطة سياسية واقتصادية احتكارية لا حدود لها.
توقف الجيش عن القيام بأي نشاط اقتصادي وخروجه من الحياة السياسية وتوقفه عن الهيمنة عليها، هو محدد رئيسي لخضوع الجيش لسلطة المدنيين، إلى جانب تعيين البرلمان لميزانية الجيش والرقابة عليها. فمخصصات الجيش من الميزانية العامة هي أموال الشعب التي يجب أن تخضع للرقابة مثل باقي بنود الموازنة العامة. لذا، يجب أن يكون الجيش وميزانيته خاضعين للدولة، وليس العكس كما هو حاصل اليوم.
بكلمة واحدة: خضوع الجيش الكامل لحكومة مدنية منتخبة هو الشرط الأساسي والجوهري لأي إصلاح ديمقراطي. فالجيش مكانه الطبيعي في الثكنات، تحت رقابة سلطات ديمقراطية منتخبة، وليس في مراكز الحكم.
التجربة السياسية تعلمنا أن موازين القوى لا تبقى ثابتة أبدًا على حالها، مما يعني أن السيطرة السلطوية التي تفرضها السلطة العسكرية اليوم بقيادة السيسي ستشهد هزات وتضعف في مرحلة ما. وفي تلك اللحظة، يجب أن تتوفر جبهة معارضة قوية تمتلك تصورًا واضحًا للتحول الديمقراطي، تكون قادرة على استثمار هذا الضعف واختراق حالة الجمود التي نعيشها. وإلا، سيصبح عمل المعارضة أشبه بمحاولة الحرث في الماء، دون القدرة على تحقيق تراكم يسمح بالتحول الديمقراطي عندما تحين الفرصة.
ما أعنيه هو أن نمتلك الجرأة لمواجهة “الفيل الذي في الغرفة” من خلال تكوين كتلة حرجة في المجتمع تسعى إلى خروج الجيش من السياسة وإخضاعه للمساءلة، كمقدمة للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي. وأن نمتلك الشجاعة لوضع هذا التصور في صدارة خطابنا السياسي، مما يسمح بجذب شرائح اجتماعية جديدة إليه يومًا بعد الآخر.
تلك الشرائح من المضارين من استمرار الوضع الراهن، ممن صودرت بيوتهم وأراضيهم، وسُنّت قوانين لطردهم من منازلهم، مثل أهالي جزيرة الوراق وحي الميناء بالعريش، والمساجرين في الوحدات السكنية بالإيجار القديم، وأهالي المعتقلين والمختفين قسريًا، وغيرهم الكثيرين ممن أدركوا من تجربتهم الذاتية أن صوتهم لن يُسمع، وأن حقوقهم لن تُحفظ إلا في إطار تحقيق تحول ديمقراطي يتيح انتخاب حكومة مسؤولة أمام قاعدة ناخبيها. ولن يتحقق ذلك إلا عبر “اصطياد الفيل الذي في الغرفة” وحبسه في حظيرته، من خلال خروج الجيش من السياسة وعودته إلى الثكنات.

