09-09-2025
محمد السايس
يلعب النظام المصري بقيادة السيسي دورًا وظيفيًا مباشرًا في خدمة المشروع الصهيوني، فهو يسمح بمرور السفن الحربية الإسرائيلية وسفن البضائع المحملة بشحنات الأسلحة عبر الموانئ والمياه المصرية الإقليمية،ويبقي على علاقات دبلوماسية وتبادل تجاري طبيعي معه – تضاعف أثناء الحرب – في الوقت الذي يرتكب فيه الاحتلال إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني. وفي نفس الوقت، يواصل النظام قمع أي محاولة شعبية للتضامن مع غزة، ويمنع وصول القوافل التجارية والإغاثية إلى القطاع لدعم صمود الشعب الفلسطيني.
يصبح من هنا واضحًا، أن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي لا ينفصل عن الصراع مع الأنظمة العربية التابعة له، والتي توفر له الغطاء السياسي وتفتح له أبواب التجارة والعبور. ومن هنا يجب أن تتحول المعركة للنضال ضد الشركات التي تتعامل مع الكيان الصهيوني، وضد النظام المرتهن لإسرائيل والذي يسمح لهذه الشركات بالعمل وتوظيف مواردها لحماية المصالح الإسرائيلية. ولهذا، فإن أي خطاب أو ممارسة تضامنية مع فلسطين لا بد أن تضع مواجهة هذه الأنظمة العربية العميلة في صدارة أولوياتها.
ان كل المحاولات الرديئة التي تسعى إلى تنحية دور النظام المصري من الصراع، وكأنها طرف ثانوي أو محايد، هي في جوهرها ضربة مباشرة للنضال من أجل تحرير فلسطين. فالنظام المصري ليس “بوابة مغلقة” في وجه قطاع غزة وحسب، بل هو أداة فعّالة بيد الصهيونية لتحقيق مشاريعها الاجرامية في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي لسكان قطاع غزة. وإلى جانب رداءة تلك المحاولات، فهي أيضا تتسم بقدر كبير من السذاجة لمحاولتها الالتفاف على المنع والقمع المحتمل الدائم بتلك المناورة الرديئة، وحتى أولئك الذين حاولوا أن يجدوا مساحة للعمل ضد إسرائيل من خلال غضّ الطرف عن دور النظام المصري لم يجدوا إلا الرفض والمنع والاعتقال؛ فقد شاهدنا جميعا كيف قمع السيسي المظاهرات الشعبية الداعمة لفلسطين في مصر، وكيف هاجم “قافلة الصمود” البرية الأولى ومنعها بالقوة، بل واعتدى واعتقل نشطاء عرب وأجانب كانوا جزء من حملة عالمية للتضامن مع فلسطين. إن تجاهل هذا الدور أو التهوين منه يعني في الحقيقة تبرئة النظام من جرائمه بحق فلسطين وبحق شعبه في آن معا.
لقد رأينا كذلك كيف اضطرّت “قافلة الصمود” إلى اللجوء للبحر بعد أن قطع عليها النظام المصري الطريق البري نحو غزة. وبدل أن تكون مصر طريق الدعم والإمداد للمحاصَرين في غزة، تحوّلت بفعل سياسات نظامها المجرم إلى جدار يمنع التضامن، ويغلق كل منفذ أمام المقاومة والشعوب المتضامنة معها. هذا الموقف لا يعبّر عن إرادة الشعب المصري، بل عن تبعية نظام سياسي جعل من نفسه حارسا لبوابة غزة لحساب الصهيونية. فكيف نصطف مع هذا النظام ونعمل على محو جرائمه!.
يبقى السؤال: ماذا تكون فلسطين بالنسبة لنا؟
فلسطين ليست مجرد خريطة أو شعار يُرفع، بل هي حاضر شعب يقاوم، وهي أيضًا بوصلة لما يجب أن نصنعة نحن هنا في بلداننا. فلسطين تعني كيف نناضل ضد أنظمتنا التي تتواطأ مع العدو، كيف نُحرض ضد الشركات العاملة مع الاحتلال، وكيف نحول التضامن من مجرد كلام وشعارات إلى فعل مادي يدعم بحق نضال وصمود فلسطين، فلسطين ليست قضية خارجية بعيدة، بل هي جزء حي من معركتنا ضد الاستغلال والديكتاتورية والهيمنة. ومن هنا، فإن تحرير فلسطين مرتبط بتحرر شعوبنا نفسها من الأنظمة التي تخدم المشروع الصهيوني.
سوف ينكشف خطأ الأوهام التي يروّج لها عن قافلة الصمود المصرية. ففكرت أن النظام سيسمح بمرور القوافل التضامنية أو أنه يمكن الوصول إلى فلسطين عبر الاعتماد على النظام الذي يحمي إسرائيل، هي وهم سياسي سوف يكتشف قريبا، والاصطفاف الوطني ما هو إلا عبث. النظام المصري أثبت مرارًا أنه يقمع حملات التضامن ويمنع وصولها إلى غزة، وبذلك يخدم إسرائيل بشكل مباشر. لذلك، فدورنا ليس التكيف مع شروط النظام أو انتظار موافقته، بل تحميله مسؤوليته كشريك في الجريمة والضغط عليه وفضح تواطئه.
وبحكم أننا نشارك فلسطين حدودًا مباشرة، فإن مسؤوليتنا ودورنا تجاه دعم فلسطين أكبر من أي مكان آخر. ومعركتنا الحقيقية تبدأ من مواجهة النظام المصري العميل، فإن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير القاهرة هو ليس مجرد شعار، بل هو ميثاق عمل ودور يلخص مهام النضال المصري من أجل فلسطين حرة، التضامن مع فلسطين جزء أصيل من نضالنا ضد القمع والهيمنة والاستغلال. فلسطين ليست خارج حدود معركتنا ونضالنا من أجل التحرر من الاستبداد والقمع والهيمنة، بل هي في صميم تلك المعركة وفي القلب منها.

