16-06-2025
محمد السايس
في الوقت الذي تقصف فيه غزة بلا رحمة، ويُشن العدوان الصهيوني إبادة جماعية على الشعب الفلسطيني، ويطلق حملة موسعة من الغارات والقصف على الشعب الإيراني، وتقصف فيه إسرائيل لبنان وسوريا كما أرادت، يجد المواطن المصري نفسه مضطرًا إلى تمويل آلة الحرب الصهيونية من خلال فاتورة الكهرباء وفاتورة الغاز… نعم، و للأسف تساهم فواتير منازلنا في دفع تكاليف الرصاص الذي يُطلق على أشقائنا في غزة والضفة ولبنان واليمن وسوريا وإيران ولسه القوس مفتوح، فمن وضع المصريين في هذا الموقف الحقير!
الجمعة الماضية، خرجت وزارة البترول المصرية ببيان هزيل، تؤكد فيه بدء تنفيذ “خطة طوارئ” بعد توقف إمدادات الغاز من “الشرق” الاسم الحركي لإسرائيل، الذي تستخدمه الحكومة المصرية لتجنب الإحراج السياسي أمام شارع عربى غاضب. لم تجرؤ الدولة على تسمية الاحتلال باسمه، لكنها لم تتردد لحظة فى التعاقد معه، والأرتهان لقراراته، وتحمُّل نتائج حروبه العدوانية!
من الاكتفاء الذاتي إلى التبعية
منذ اكتشاف حقل ظُهر، روّج النظام المصري لأسطورة “الاكتفاء الذاتي” وتحول البلاد إلى “مركز إقليمي لتجارة الطاقة”. إنخفاض الإنتاج المحلي ليس قضاءً وقدرًا. إنه نتيجة مباشرة لسياسات الحكومة النيوليبرالية، التي فضّلت تصدير الغاز على تلبية حاجات السوق المحلي، واستنزفت حقل ظُهر بشكل غير مدروس، مما أدى إلى تدهور إنتاجه بعد أقل من 5 سنوات من تشغيله.
وعندما بدأ الإنتاج المحلي ينهار، لم تتجه الدولة إلى تطوير بدائل مستقلة أو الاستثمار الحقيقي في الطاقة المتجددة، بل سارعت إلى فتح ذراعيها أكثر للغاز الإسرائيلي. وبينما انبهر الإعلام المضلل بما وصفه السيسي بـ”الجون” عقب صفقة غاز من إسرائيل لمصر، بدأت مصر فعليًا في استيراد الغاز من الاحتلال عام 2020، بزعم تسييله وإعادة تصديره لأوروبا.
لكن الحقيقة تكشفت بسرعة: الغاز الذي وُصف بأنه “للأغراض التجارية فقط”، بات يُستخدم داخليًا لتشغيل محطات الكهرباء، وتغطية النقص الناتج عن تراجع الإنتاج المحلي. وبينما كان من المفترض أن نربح من “الجون”، تحولنا إلى أسرى في مرمى تسديدات الاحتلال، الذي يملك القدرة الكاملة على قطع الإمدادات متى شاء، كما حدث بالفعل أكثر من مرة منذ السابع من أكتوبر 2023.
وحتى حين أدركت مصر ضعف هذه العلاقة، وقّعت في مايو الماضي أكبر صفقة استيراد غاز في تاريخها (بقيمة 15 مليار دولار) من الشركات العالمية، دون أن تُلغي التزامها المستمر بشراء الغاز من الاحتلال حتى عام 2035!
كالعادة، يدفع الفقراء الثمن
في صيف 2023، عاش ملايين المصريين في الظلام بسبب تخفيف الأحمال وصل لانقطاع الكهرباء الى ثلاث وأربع ساعات يوميا.
وفي 2024، سُحبت المازوتات من المصانع، وأُجبرت على التوقف أو تقليص الإنتاج.
وفي 2025، ها هي الدولة تعود لنقطة الصفر، تلعب بالنار، وتغامر بتشغيل الكهرباء بالسولار وسط أزمة مالية خانقة، وفوق كل هذا… تُموّل الحرب الصهيونية من خزينة الشعب!
التطبيع الاقتصادي أخطر من السياسي
ما يحدث اليوم ليس مجرد صفقة غاز. بل هو تطبيع بنيوي كامل، يجعل مصر جزءًا من الاقتصاد الحربي الصهيوني، ويحوّل العلاقة من مجرد استيراد طارئ إلى تبعية منهجية، مُوقعة بعقود طويلة الأجل، لا تُراعي لا السيادة الوطنية ولا الأخلاق ولا التضامن الإنساني.
النظام المصري لا يطبّع فقط، بل يشارك فعليًا في تمويل الاحتلال. هذا ليس اتهامًا سياسيًا، بل حقيقة رقمية: أكثر من مليار دولار سنويًا يتم تحويلها من القاهرة إلى تل أبيب في صورة مدفوعات للغاز!
إننا كمصريين نرفض أن يتحول اقتصادنا إلى رهينة لدى الاحتلال. نرفض أن ندفع ثمن حرب الإبادة ، وسياسات لا نشارك فيها، وصفقات لا نعرف عنها شيئًا.
نرفض أن تبقى غزة تحت الحصار، بينما تفتح مصر أنابيب الغاز للاحتلال، ونرتهن لإرادة الاحتلال، ألا يكفينا من العار ما حملته لنا حكومة عبد الفتاح السيسي من اعتداء على المتضامنين العرب والأجانب مع القضية الفلسطينية، الا يكفينا عار حصار قطاع غزة وتقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل وتسيير السفن الحربية في موانينا ومياهنا الإقليمية.
ومع كل هذا العار المتلاحق، والظروف الاقتصادية الصعبة، ومستويات القمع المتزايدة، فإن الحلول أصبحت فقط تتمثل في مدى إمكانية الشارع أن يسترد صوته، مرة أخرى وأن يفرض كلمته ويقول: لا لغاز الاحتلال… لا كهرباء بالتطبيع… لا مستقبل في ظل التبعية للحكومة الصهيونية، إن تلك اللحظة يفصلنا عنها نضال طويل، وبناء وعي، وتراكم خبرات، تحتاج فعلا مجهود مخلص من كل الثوريين والعمال والطلاب الطليعيين كل في أوساطه يمارس الدعاية والتحريض من خلال عمل منظم ثوري حتى نستفيق من هذا العار.

