قانون الانتخابات: مصادرة جديدة على حرية التعبير

22-05-2025

يواصل نظام السيسي ممارساته القمعية الممنهجة في ظل انسداد الأفق السياسي، والتي تتجلّى بوضوح في الإبقاء على قانون الانتخابات الحالي، والإصرار على تمرير مسودة جديدة لا تختلف في جوهرها عن سابقاتها، بل تعمّق من أزمة التمثيل السياسي، وتجهض أي أمل في محاولة جادّة نحو التحول الديمقراطي الحقيقي.

إن الإبقاء على القانون القديم بصيغته القمعية، وبالأخص بنظام القائمة المطلقة لا النسبية، يُعد استمرارًا لنهج إقصائي لا يرى في العملية الانتخابية إلا وسيلة للسيطرة، لا أداة للتعبير عن إرادة الشعب. فهذا النظام لا يُهدر فقط أصوات الناخبين، بل يمنع عمدًا أي إمكانية لظهور قوى سياسية جديدة أو بدائل حقيقية، ويجعل من الانتخابات أداة شكلية لتزيين مشهد سياسي ميت.

أما تقسيم الدوائر الفردية بشكلها الحالي، فهو لا يسمح بالمنافسة العادلة، بل يخلق بيئة مغلقة لا مكان فيها إلا للمال السياسي، والولاءات الأمنية، والنخب المصنوعة سلفًا، مما يقطع الطريق أمام أي مرشحين مستقلين أو ممثلين حقيقيين للجماهير للوجود أو المنافسة.

ولا تختلف هذه الانتخابات، في جوهرها، عن سابقاتها؛ فكلاهما يُدار بالكامل بواسطة الأجهزة الأمنية السيادية التي تحتكر الحياة السياسية، وتفرض القيود المحكمة على الفضاء العام، وتحاصر أي ممارسة ديمقراطية حقيقية. إن ما نراه اليوم ليس استحقاقًا انتخابيًا، بل عرضًا جديدًا في مسرحية قديمة، يُعاد إنتاجها بنفس الأدوات والأساليب، وبنفس الهيئات التي تملك وحدها حق الفرز والاختيار والتصفية، وإن اختلفت مسمياتها.

هذا التوجه ليس معزولًا عن الواقع القمعي الأشمل الذي تعيشه البلاد؛ فالاعتقالات العشوائية مستمرة، والنشطاء السياسيون والحقوقيون رهن الحبس والملاحقة، ومنظمات المجتمع المدني تعاني من تضييق متواصل، والحق في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي مصادَر ومجرّم من قبل السلطة. ويحرص النظام على توسيع دوائر القمع لتشمل كل من يرفع صوته مطالبًا بحق، أو معترضًا على ظلم، بغضّ النظر عن طبيعة هذا الحق، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا، فرديًا أو جماعيًا، في محاولات دائمة لإخماد أي صوت مستقل أو حر.

لقد أثبتت مجريات السنوات الثلاث الماضية أن ما سُمّي بـ”الحوار الوطني” و”لجنة العفو” و”لجنة دمج المفرج عنهم” و”وزارة التواصل السياسي” ليست سوى مسرحية سياسية مُعدة بعناية من قِبل الأجهزة الأمنية، لم يكن هدفها السير في طريق الإصلاح السياسي أو الإفراج عن المعتقلين، بل فقط كسب الوقت وامتصاص الضغوط، سواء الداخلية أو الخارجية. ولم تُفضِ هذه المسارات إلى أي حل فعلي لأزمات القمع ومصادرة الحريات، بل استُخدمت كقنبلة دخان للتعمية على استمرار الاعتقال، والملاحقات الأمنية، وإغلاق المجال العام.

وبنفس العقلية الأمنية، صادرت الدولة حق المرشح الرئاسي أحمد طنطاوي في خوض الانتخابات الرئاسية، وحاصرته منذ لحظة إعلانه الترشح، ثم اعتقلته هو وعددًا من أنصاره، في تأكيد جديد على أن النظام لا يقبل حتى بمحاولة معارضة من داخل قواعده الدستورية الشكلية.

في الوقت نفسه، فشلت كل المفاوضات للإفراج عن الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، رغم المطالبات الواسعة محليًا ودوليًا، بينما تم تجاهل كافة التوصيات المتعلقة بإصلاح قانون الإجراءات الجنائية وقانون الممارسة الطبية، وغيرهما من التشريعات التي تُستخدم كأدوات قمع قانوني.

واليوم، تتكرر نفس الوصفة القديمة، عبر محاولة “طبخ” قانون جديد للانتخابات البرلمانية، لا يهدف إلى التمثيل أو الإصلاح، بل إلى قطع الطريق تمامًا أمام أي محاولة لنمو عملية ديمقراطية، وإغلاق إحدى نوافذ التغيير السلمي، في مشهد يعكس مدى خوف السلطة من أي مشاركة شعبية حقيقية أو تنافس سياسي نزيه.

إلى جانب القمع السياسي، يعيش المواطن المصري تحت وطأة سوء الإدارة المزمن والانهيار الاقتصادي المتسارع. لقد أدت السياسات العشوائية وغياب الشفافية إلى موجات من الإفقار والتجويع، بينما تتزايد معدلات البطالة، وتنهار الخدمات، وتُهدر الموارد على مشاريع لا تعود بالنفع على المواطن. في هذا السياق، يبدو القمع ضرورة بالنسبة للنظام، فهو الوسيلة الوحيدة لضمان البقاء وسط هذا الفشل الشامل.

إن مشروع قانون الانتخابات الحالي لا يضع أي طريق للإصلاح يمكن أن يُمرَّ عبره، بل يُغلق الطريق عمدًا أمام أي محاولة تغيير حقيقية. ولهذا نؤكد أن الثوريين هم الأكثر حرصًا على الإصلاح من كل من يتحدثون عنه داخل النظام أو يدورون في فلكه، ولكن بشرط أن يكون إصلاحًا حقيقيًا، لا خداعًا ولا مواربة، لا تجميلًا لواجهة النظام، ولا تدويرًا لأدواته القديمة.

إننا، إذ نرفض هذه المسودة جملة وتفصيلًا، نؤكد أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يبدأ دون فتح المجال العام، وإطلاق الحريات العامة، وضمان تداول السلطة، وإعادة صياغة قانون الانتخابات ليكون معبّرًا عن الإرادة الشعبية، لا أداة لتكريس السيطرة.

إننا نناضل في تيار الثورة الاشتراكية من أجل بناء مجتمع حر وعادل، تُحترم فيه كرامة الإنسان، وتُكفل فيه الحقوق والحريات لكل فرد، دون قمع أو استغلال. نؤمن أن إسقاط الدكتاتورية العسكرية في مصر ليس فقط ضرورة لبناء الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بل هو أيضًا خطوة أساسية في طريق تحرير فلسطين؛ إذ لا يمكن لشعب محاصر ومستعبد أن يناصر قضية تحرر شعب آخر دون أن ينال حريته هو أولًا.

انضموا إلينا… وناضلوا معنا من أجل مصر حرة، وفلسطين محررة، وعالم لا مكان فيه للطغاة ولا للمحتلين.

تواصلوا معنا عبر البريد الاليكتروني: Soc-Rev-Egy@protonmail.com

الثورة الاشتراكية – نضال من اجل مجتمع حر وعادل