موائد المصريين في رمضان بين الواقع والأوهام

04-04-2025

نشرت عدة صحف مصرية  وصفحات إخبارية مثل المصري اليوم ،القاهرة 24 ،القرار المصري وغيره من الصحف خبر عنوانه  إستهلاك المصريون في شهر رمضان يصل إلى 161 ألف رأس ماشية و اكثر من٧ ملايين طائر. في محاولة منهم لتسليط الضوء  بشكل مخادع على حجم الاستهلاك الكبير من اللحوم والطيور والمواد الغذائية بشكل عام خلال شهر رمضان . 

تتلاعب الصحف بالأرقام معتمدين على أن ضخامة الرقم، والصورة النمطية التي يذيعها الإعلام المصري ويغذيها الخطباء في الجوامع بالتحذير الدائم منها، وتنشر باستمرار في الإعلانات والمسلسلات التلفزيونية في خلفية المشاهد الدرامية والاستعراضية التي تبرز زيادة واضحة في استهلاك المصريين للمواد الغذائية خلال شهر رمضان.

الإعلام يغذي تلك الصورة ويجعلها صورة نمطية من خلال تصوير موائد الطبقات العليا والوسطى وكأنها الشكل الوحيد لموائد إفطار المصريين في منازلهم.

 حتى كاتب  تلك السطور ينجو عقله بأعجوبة، فكلما أتخيل إفطار أسرة مصرية يدور في ذهني للمرة الاولي والثانية والثالثة أنها مائدة متزاحمة فيها الأطباق من الدجاج والبط اللامع والديوك الرومي في نصف الطاولة  وصواني الجلاش والأرز والمحمر والمشمر،  والغريب أنه نادراً ما يلقي المصريون المحمر والمشمر مرة في حياته بنفس الصورة التي يشير إليها الإعلام، الأرقام نفسها المنشورة في الصحف  السابق الإشارة إليها عن وزارة الزراعة المصرية تشير إلى استحالة حصول المواطن المصري على أكثر من 750 جرام من الدجاج المذبوح في المجازر ولن يتجاوز نصيب الفرد من اللحوم الحمراء 250 جرام طوال شهر رمضان.

دائما تتلاعب وسائل الإعلام الموالية للحكومة  بالأرقام من أجل بناء صور غير دقيقة حول استهلاك المصريين للمواد الغذائية، حيث نشرت ايجي نيوز ايضاً في الأيام الأولى من شهر رمضان تقرير يفيد باحتمال زيادة استهلاك المصريين للدواجن بنسبة تقدر بـ 30 ٪؜ خلال شهر رمضان معتمدين على إحصائيات اليوم الأول لمبيعات الدواجن في شهر رمضان متناسين تزامن اقتران بداية شهر رمضان مع بداية شهر مارس ما يعني زيادة في معدل شراء المواد الغذائية في تلك الأيام بسبب حصول أغلب الشغيلة سواء عمال او موظفين على رواتبهم، في تلك الفترة الأمر الذي لا يعكس أبدًا زيادة مطلقة طوال الشهر كما تشير الجريدة وتبني تحليلها الأساسي عليه.

وإذا نظرنا إلى التقارير والأرقام المنشورة في الصحف سواء المنسوبة لرئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، او رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، سوف نجد تضارباً كبيراً بين معدلات الاستهلاك والإنتاج اليومي للدواجن واللحوم في كلا الاحصائات وهو ما تتجاهله دائما الصحف ووسائل الإعلام، لأنه ببساطة تحت سيطرة الأجهزة الامنية علي  الدعاية والنشر لا أحد يهتم بالتدقيق في الأرقام بقدر الاهتمام باستخدام تلك الأرقام لتمرير الرأي أو التوجه الرسمي، أن نشر الحقيقة أو حتى الاهتمام بالتدقيق حول حجم الإنتاج والاستهلاك هو آخر ما يهم المسؤولين في حكومة عبد الفتاح السيسي. 

إن تحليل كل الأرقام المنشورة سواء من الجهاز المركزي  للتعبئة والإحصاء المصري، او مركز بصيرة، ووزارة الزراعة أو حتى شعبة الدواجن باتحاد الغرف تشير في أفضل تقدير لها إلى أن متوسط استهلاك المواطن المصري من اللحوم الحمراء يساوي أقل من ربع متوسط الاستهلاك العالمي للحوم سنويا، أما ما يخص الدواجن فإن متوسط  استهلاك المواطن المصري أقل من ثلث المتوسط العالمي لاستهلاك الدواجن سنويا. 

إن غرض كتابتي لهذا المقال بالطبع ليست محاولة تدقيق محاسبي لحقيقة متوسط استهلاك المواطن المصري من اللحوم والدواجن، فيكفينا أن نعلم جميعا أننا نعيش في مجتمع  يقع أكثر من نصفه تحت مستوى خط الفقر، وتعيش فيه 12 مليون أسرة في فقر متقع،  وبغض النظر عن الأرقام، فإن خلال السنوات العشر الماضية عشنا وعايشنا كيف جرى تجويع الشعب المصري وإفقار المصريين وتحطيم مدخراتهم تحت سياسات تقشفية قمعية، شهدنا جميعا كيف يجري اقتلاع اللقمة من الفم تحت شعارات انتم فقراء اوي، او لازم نستحمل كمان شوية، او لازم نبطل نستهلك ونصبح على مصر بجنيه وغيرها من عشرات العبارات الوضيعة التي لا يجد الديكتاتور حرجا في التفوه بها من الحين والآخر.

وبالتأكيد أيضا ليس دافعي للكتابة فضح مدى كذب الجرائد المصرية، وسيطرة الأجهزة الأمنية عليها، إنه  أمر معروف بالضرورة  إلا أنها مجرد وسيلة دفاعية أقوم من خلاله بمساهمة  في كشف الأوهام التي تنسجها وسائل الإعلام من أجل رسم صور نمطية عن حياة المصريين وطبيعتهم وأفكارهم وأنشطتهم، تريد بها تعميق الصورة الفردية والنمط الاستهلاكي وتحميل الشعب الجزء الأكبر من مسؤولية تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية من أجل خدمة مصالح السلطة والحكومة المصرية.

انضموا لينا من أجل خلق جريدة ثورية تدافع عن قضاياكم وتتبنى نضالكم وتربط بعضه ببعض، لتكون جريدة منكم وإليكم.   

ناضلوا معنا من أجل بناء  مجتمع حر وعادل.   

تواصلوا معنا عبر البريد : Soc-Rev-Egy@protonmail.com