02/01/2025
تناولت وسائل الإعلام في الأول ديسمبر خبر تأسيس إبراهيم العرجاني حزب سياسي، ثم أعلن منذ أيام عن اجتماع الهيئة التأسيسية لهذا الحزب تحت مسمى حزب الجبهة الوطنية لكن بغياب إبراهيم العرجاني، وقد أرجعت مصادر ذلك إلى أن الجهة السيادية المشرفة على تشكيل الحزب رأت ضرورة عدم تصدر العرجاني للمشهد، وإن وجوده في الحزب “يضر أكثر مما يفيد” بسبب تاريخه في سيناء قبل ثورة يناير، وعدم تمتعه بقبول شعبي، وكثرت الأحاديث عن تحول الحزب إلى كيان قبلي، والاكتفاء فقط بضم نجل العرجاني، عصام لتشكيلة الهيئة التأسيسية، على أن يظل العرجاني الأب هو الراعي والممول الرئيسي للحزب، بحسب صفحة صحيح مصر.
لا يجمع بين اسماء الاربعة وخمسين شخصية والتي أعلن أنهم أعضاء الهيئة التأسيسية للحزب سوى أمر واحد فقط، هو ولائهم وتبعيتهم جميعا إلى “الجهات السيادية”، ولمن لا يعرف فـ “الجهات السيادية” هو مصطلح يطلق على المخابرات في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية كنوع من أنواع التورية، وأيضا لإضفاء مسحة من الغموض والرهبة عليها، نحن إذن أمام عملية تدشين حزب سياسي جديد تحت رعاية واشراف المخابرات، وهو أمر ليس بجديد على أي حال فكل الأحزاب بمجلس النواب الحالي، كأحزاب مستقبل وطن والشعب الجمهوري وحماة وطن .. ألخ، هي أحزاب شكلتها وأشرفت على تأسيسها المخابرات.
هي إذن عملية جديدة قديمة في الوقت ذاته لإعادة تدوير نفايات المجموعات اللصوصية من خادمين ومرتزقة النظام الآكلين على كل الموائد، في ما يشبه التشكيل العصابي منه من التشكيل الحزبي، والحقيقة هي أن مصر لا يوجد بها سياسة ولا حياة حزبية ولا أحزاب، في مصر يوجد حزب واحد فقط هو حزب “الجهة السيادية”، أو بتعبير أدق حزب المخابرات والذي يشكل أداة النظام الرئيسية لإخضاع المجتمع واحتكار السلطة السياسية.
حزب المخابرات هو حزب غير علني فهو يحرك كل الخيوط من وراء الستار، فهو من يمتلك حصرا حق تأسيس الأحزاب وإنشائها أو رفع يده عنها فتسقط و تذريها الرياح، ففي الأنظمة السياسية التعددية، تمتلك الأحزاب صحف تكون تعبر عنها وتنشر فيها سياساتها وافكارها، في مصر تمتلك المخابرات وتهيمن على معظم وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة.
لكن ما يمكن رصده كظاهرة جديدة هذه المرة في عملية تدوير نفايات المخابرات الوطنية بالحزب الجديد، هو امتلاك أطراف في هذا الحزب السيطرة والتحكم في ميليشيا مسلحة ذات طابع قبلي “اتحاد القبائل العربية” ما يؤشر على توجه جديد للمخابرات والنظام والذي احتكار منذ تأسيسه في 52 استخدام العنف في العملية السياسية من خلال أجهزته العسكرية النظامية الشرطة والجيش، ما يفتح الباب للتكهن حول طبيعة الأدوار الذي يعد الحزب الجديد للعبة، وهل يتضمن التدخل المسلح في العملية السياسية لتأدية أدوار وظيفية محددة لخدمة وحماية النظام ؟.
لا نستطيع أن نجزم بشئ من ذلك الآن من عدمه، لكن ما نستطيع أن نجزم به هو أن سياسات النهب واللصوصية والإخفاق الاقتصادي والقمع السياسي التي أوصلتنا لـ الأزمة العميقة التي يعاني منها المجتمع اليوم والتي يشعر بها كل المواطنين، تشعر النظام بالخطر وتدفعه لأن يحرص كل الحرص بأن يستعد لكل السيناريوهات وأن لا يترك فرصة للمصادفة.
وضمن ما يستعد النظام له هو انتخابات مجلس النواب المزمع عقدها اخر العام، والتي يرغب النظام كعادته في التحكم بنتائجها، وتشكيل مجلس نواب على مقاساته الخاصة، وهو ما يرشح أن يكون أولى الأدوار التي سيلعبها حزب نفايات المخابرات الوطنية الجديد.
إن واقع انسداد كل سبل الإصلاح السياسي الحقيقي في بلادنا، واستخدام المخابرات أدوات وأساليب التلون والتحور وإعادة تدوير الشخصيات والكيانات السياسية والحزبية الذي يدور كله في حلقة مفرغة على طريقة اللعب بالبيضة والحجر، قد ينجح في إطالة عمر النظام لفترة معينة، لكنه لن يؤدي في نهاية إلا إلى انفجار الأوضاع والدخول في مواجهة مفتوحة.
وأن أدوات الدعاية والإعلام الرخيصة كتنظيم ماراثون رياضي “ماراثون زايد” في العاصمة الإدارية الجديدة لتصوير أن النظام يحظى بدعم وتأييد قطاعات عريضة من الشباب، لن يكون قادرة على التعمية على حالة الأزمة الشديدة والاحتقان الذي يضرب المجتمع.
ان كل التشويش والتخريب والقمع والمناورات التي يمارسها النظام ومخابراته هدفها نقطة واحدة فقط، وهي شل حركة الجماهير وقدرتها المستقلة على الفعل، في الوقت نفسه فإننا لا نغرق في طوباوية ثورية حالمة، ولا نرى أن الثورة ستندلع غدا، أو أننا سنزيح جبل الديكتاتورية عن بلادنا مرة واحدة بكبسة زر، بل نحن نؤمن بأن قوة العزيمة والدائب واستمرارية العمل وفق نظرية ورؤية سياسية صحيحة، قادرة على أن تمكننا من بناء جيشنا من الثوريين، الذي سيكون قادر على إزاحة جبل الديكتاتورية عن طريقنا، حتى لو كان ذلك بإزاحة حبة رمل واحدة تلو الأخرى.
تواصل-ي معنا وانضم-ي إلينا كي نبني سويا جيش الثورة الذي مكننا من إزاحة جبل الديكتاتورية عن طريقنا وبناء مجتمع حر وعادل.
بريد إلكتروني : Soc-Rev-Egy@protonmail.com

